الرئيسية | أراء | المغرب بين: الحراك الشعبي والزّهايمر السّياسي

المغرب بين: الحراك الشعبي والزّهايمر السّياسي

بواسطة
المغرب بين:  الحراك الشعبي والزّهايمر السّياسي حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

في ظل هذه (الذلقراطية) على حد تعبير الباحث المغربي"المهدي المنجرّة" تبدو إهانة الشّعب المغربي وإذلاله والتعدّي على كرامته واستغلال التفاوت في علاقات القوة بينه وبين حاكمه من أجل العربدة وفرض النظام كأنّها تتم بإرادته، فالدّرس الذي نسيه بعض الزعماء السياسيين (الثوريين)  أنّ الهزائم التي تتعرض لها قوى التغيير ليست بالضرورة نتيجة اختيارات خاطئة بل هي ناشئة أحيانا من انعدام الخيارات وفي أحيان أخرى ناتجة عن تعدّد الخيارات وغياب المعايير أو الثوابت التي تعين هذه القوى على الاختيار الصحيح وفق السّياق والزمن المحدّدين.

لم يكن أحد من المفكّرين أو الخبراء في السّياسة قادرا على توقع ما نعيشه اليوم وما أسفر عنه الحراك الاجتماعي  في المغرب فهذا الحراك الشعبي المهمّ الذي لم ولن يهدأ مادامت أسبابه قائمة مازال يفتقد إلى آليات التأطير السياسي الفاعل من قبل الأحزاب والقوى التقدمية الداعمة له فمازال الشباب المنتفض في مختلف الساحات يفتقد إلى التوجيه السياسي الرّشيد و القادة السياسيين يتعاملون مع المواقف المصيرية بالعواطف والمزاج الذي يفتقد إلى الحد الأدنى  من الحيوية المُجدّدة لها وخاصة في تحديد ما يريدون فعله وما لا يريدون،فلقد كشفت الأحداث الأخيرة التي قامت في عدة مناطق أن أحزاب التقدمية تمر بحالة من الضعف والتشتت لم سبق لها مثيلا وأنها مازالت تتعامل بعشوائية ومزاجية سياسية مع التحولات المجتمعية الراهنة وهذه الحالة من المزاج الذي يمكن ننعته بـالزّهايمر السياسي     لدى هذه الأحزاب الذي يتجلى في عمق الاختلافات والتعارضات بل ارتفع منسوب الصراع بينها عوض أن يعيد بناء وحدتها وتكتلها لمواجهة الأخطار المهددة لوجودها ولم تتمكن القوى السياسية التقدمية من قطع الطريق على أصحاب النّوايا السّيئة الذّين يريدون أن يصنعوا وجها عنفيّا أو إرهابيّا لهذا الحراك من أجل خدمة أهداف بعض القوى الرّجعية والأجندات الخارجيّة أو من أجل تحويل هذه الانتفاضة الشعبية إلى تمرّدات شوهاء والى اضطرابات وطنيّة يمكن ترميمها بالمال حينًا وبالأمن حينا آخر أو إلى خلق مضادات لحماية ما تبقّى من قلاع الدّيكتاتورية الجديدة ــ القديمة.

 ولعلّ من أبرز الدّروس التي قدّمتها لنا مآلات هذه الأحداث تتمثّل في أن كل شيء يمكن أن يتفكّك ويتصدّع إن لم تلتزم القوى السياسية التي تعمل على تغيير الواقع باحتياجات هذا التّغيير وباشتراطات إعادة البناء على نحو صحيح ومدروس وبشكل موضوعي بعيدا عن الغوغاء والغباء السياسي وإلا فإنّ مشاريعها السياسية والاقتصادية لن تكون أكثر من  أمنيات سرابيّة ينبغي على هذه القوى أن تنتبه وبكامل وعيها إلى خطورة المنعطف التاريخي الذي يعيشه مجتمعنا وكثرة منعرجاته وأن تدرك الانسداد التاريخي الذي بات يشعر به الشعب ويشل حركته شللا يمنعه من التفكير في إمكانية التقدم وأنّ فتح هذا الانسداد لن يحصل هذه المرة عن طريق أنصاف الحلول أو عبر التّسويات العاطفية التي تجبره في كل مرّة على العودة إلى نقطة الصّفر من جديد، فلقد قادت عشوائيّة هذه التحرّكات والمواقف الانفعالية والنّرجسيات السياسية والسّلوكيات النّمطية إلى معاودة إنتاج الإخفاقات والى ظواهر سلبية مستجدة بعيدة عن تصورات النّاس وانتظاراتهم ومع ذلك لم تقتنع بعض الأحزاب التقدمية  رغم إخفاقاتها المتكررة  بأن لا تسْتعجل الأمور أو تتفاءل أكثر من اللّزوم لأن روحيّة الثّورة هي العمل على تغيير العقول ونسيج المجتمع أولا ثم تغيير بنية الحقل السّياسي ثانيا.

  فنتيجة غياب الفعل السّياسي المنظم والمبدئي لهذه التحركات كانت العشوائية والاعتباطيّة سمة بنيتها وديناميتها ولأنّها لم تكن مُؤَطّرة سياسيا فلم تتح لها حركتها من التعامل مع الواقع انطلاقا من الوعي بجدليته وموضوعيته كما أنّ من مفارقات هذا الحراك أنّه تتجاذبه أعلى درجات التنظير السياسي والفكري الثّوري من ناحية  وأكثر أشكال التخلف في الممارسة السياسية الاعتباطية والقائمة على ردود الأفعال من ناحية ثانية لذلك فقدت كلمة الانتفاضة أركيولوجيتها المفاهيمية ومصداقيتها الشّعبية نتيجة فرط استهلاكها وتكرارها دون هدف محدّد أو تراكم محقّق فتم تدمير روحها وتشويهها وفقدت جاذبيتها ورمزيّتها كما لم تعد قادرة على إنتاج ديناميات جديدة تحقق بها الحرية لأنّها كانت غالبا ما تنطلق من فكرة جيدة ولكن سرعان ما يحوّلها أعداؤها إلى آلية لشرعنة استبداد السّلطة الحاكمة، فعلى الرّغم من معرفتنا بالجرائم السياسية ( الاعتقالات) والاقتصادية (سياسة التقشف) ومعايشة تجلياتها بالصّوت والصورة أمامنا يبدو لدى هذه القوى وكأنّ الخروج إلى الشارع أو توقيع احتجاج إلكتروني أو تغيير واجهة الصّفحة الشخصية على الفيسبوك هو الفعل الكافي لتحريرنا من هذا العبء الأخلاقي والمسؤولية السياسية وهو ما يطلق عليها البعض الصنمية التكنولوجية التي تترجم الخيارات الأخلاقية إلى أفعال احتجاجية افتراضية تخفّف عنا الشّعور المفرط باليأس والخوف و تساعدنا بالفعل على البقاء في سلبية سياسية فلسنا بحاجة إلى تحمل المسؤولية السّياسية لأن التكنولوجيا تقوم بهذا الدّور نيابة عنّا وهذا المخدّر سوف يعوّض الفعل النّاجز.   

   أبو صامد شفيشو / الشاون



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك