الرئيسية | فكر وثقافة | جدلية العتمة والنور: جولة في ديوان (تراتيل الجمار الخابية)

جدلية العتمة والنور: جولة في ديوان (تراتيل الجمار الخابية)

بواسطة
جدلية العتمة والنور: جولة في ديوان (تراتيل الجمار الخابية) حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

ذ.محمد بوعابد

على مدى يقارب مائة وعشرين صفحة من القطع المتوسط، وفي لغة عربية متينة، من حيث المعاجم الموظفة كما من حيث التراكيب المستعملة، لغة معبرة عن موقف من الواقع في تجلياته المتعددة، ومصورة لرؤية إلى الوجود والموجود، أصدر الشاعر المغربي عبد الله فراجي في بداية هذه السنة 2018 الطبعة الأولى لكتابه الخامس ((تراتيل الجمار الخابية))، إذ يأتي هذا المؤلف الشعري بعد أن أخرج الأديب عبد الله فراجي لقراء إبداعاته: 1) المرآة والبحر ـ شعر ـ 2010، 2)مسافر في الضباب ـ شعر ـ 2013، 3) خطوط ومنعرجات ـ قصص قصيرة جدا ـ 2014، 4) انبثاق كالنهر يجري ـ ترجمة ـ 2016. وقد شكل الشاعر أضمومته الشعرية هذه من ثمانية عشرة نصا، مسبوقة بإهداء توجه به الشاعر إلى والديه، وذيلها بترجمة انجليزية لآخر نص ((كأس زلال)) أنجزها عبد اللطيف السباعي، يليها ما يمكن اعتباره ـ وفي الوقت نفسه ـ عبارة عن تقريظ شعري (ما دامت الأبيات التي كتبها الشاعر إدريس الزايدي تتضمن تثمينا للمجهود الإبداعي المبذول من قبل ذ.فراجي) ومعارضة شعرية (بما أن ذ.فراجي عمل على الرد شعرا فكتب أبياتا بنفس الروي وعلى نفس الوزن ردا على ذ.الزايدي)، ليختم هذه المكونات بما سماه (سيرة ذاتية).

اختار الأستاذ الشاعر عبد الله فراجي اتخاذ عبارة (تراتيل الجمار الخابية) عنوانا لهذه المجموعة من القصائد، وهو عنوان شامل دون أن يكون خاصا بقصيدة دون أخرى. ويروم التأشير على أن مجموع القصائد عبارة عن (تراتيل) ناجمة عن (الجمار الخابية). ومعلوم أن لفظة (تراتيل) مشتقة من الفعل الثلاثي المضعف (رتل)، الذي يعرف به المعجمي المغربي د. عبد الغني أبو العزم فيميز بين مصدره (ترتيل) نص أدبي أو آيات الذكر الحكيم، الذي يعني: (أداؤه بتلاوة منغمة وبصوت حسن) ص:837، وبين اسم المرة (ترتيلة) الذي يجمع على (تراتيل، ترتيلات)، والذي يعرفه أبو العزم بالقول: (أنشودة مرتلة من الصلاة عند المسيحيين) ن ـ ص. وإذا كان ذ. فراجي قد أسند الـ(تراتيل) إلى (الجمار الخابية) فجعلها تغدو معرفة بالإضافة، فإن لفظة (الجمار) ـ بكسر الجيم، ما دام فتحها أو ضمها يجعلها مفيدة للدلالة على (جماعة، قوم مجتمعون) ص:1222. وما دام "جمار النخلة" بضم الجيم وتضعيف الميم يفيد الدلالة على (قلبها، أي شحمها) ن.ص ـ يستعمل لإفادة الدلالة على ما يلتهب ويتأجج من الجمر، أي من قطع الفحم. غير أن ذ.فراجي وسم هذه (الجمار) بصفة (الخابية)، المشتقة من الفعل (خبا/ يخبو)، والذي يعني (الخمود والانطفاء)، مما يجعل (الجمار الخابية) تدل على تلك الجمرات التي خمدت وانطفأت فغدت مجرد أرمدة. فهل هذه النصوص الشعرية التي أخرجها ذ.فراجي ناجمة عن احتراق أفضى بالذات الشاعرة صوب التحول إلى رماد؟ ولعل ما يفصح عن هذه الدلالة هو ما سجله ذ. فراجي في المقطع المثبت على الصفحة الرابعة من الغلاف، وهو المقطع الوارد ضمن قصيدة (أدراج الليل والهباء)، إذ يقول:

الليل من حولي يصادر من يدي شعري،

وهرطقة الجنون..

الليل من حولي سهام تقتفي وجعي

وتخترق الفؤاد..

والحرف مستعر على الأوراق

يهزمه السواد..

الليل من حولي يديم الحزن في بلدي،

يعربد في قلاع خانها زمن الذئاب..

ويصادر الصوت الجسور إذا شدا،

نغما على درب يباب..

وقطوفه عشق وملحمة،

روت طرق العذاب..

وهو المعنى نفسه الذي يتكشف لقارئ هذه الإضمامة الشعرية، حين تستوقفه عبارات من قبيل ما نستقطعه من قصيدة (لا شيء تغير يا سيزيف):

(الحسناء العربية ما زالت خلف الشباك تراقب بعد رحيلك

موج البحر، وفي عينيها تنكسر الأضواء وتخبو...!

كم موجا صرت تقاوم فوق رصيف العمر بلا كلل؟

والرحلة يا سيزيف تسير بها السفن الرعناء إلى شطآن

الموت جمارا حارقة...!  ص:9

***       ***     ***

لا شيء تغير يا سيزيف على طرقات القهر..

وفي أمواج الموت شظايا من وطني،

في أشلاء العنقاء جنون ملتهب،

ورماد منفجر،     

ولهيب الرعشة لم يتشكل من جمرات خامدة،...) ص12 

ويمكن القول إننا نجد لهذا المعنى حضورا أيقونيا على الصفحة الأولى من الغلاف، إذ جاء بها منضدها مشتملة على صورة لورود محترقة يغلب عليها السواد وتبدو بها بقايا لهب مشتعلة ما تني تتوهج.

وباستطاعة قارئ هذه الإضمامة الشعرية أن يلاحظ أن عند الشاعر عبد الله فراجي تحضر الهموم الذاتية وقد انجدلت متضافرة مع الهموم القومية، فلفظة (الوطن) لا تتوقف عن التردد حتى لكأنها جرس منبه إلى أن الجراح والخسائر والهزائم التي يتحدث عنها الشاعر باستفاضة ذاتية وجماعية، يقول من قصيدة (اختلال الظل المنضود):

أشباح ترقص في وطني..

أشباح تعرش في محني..

ما كنت لأشهر قافيتي،

من راجمة في أشعاري..

لولا جمرات منها تعبث في دنياي وتلفحني،

لولا قمري المتهدل في ظلماء سمائي، يسخر مني..

يهجرني..

لولا قيثارة روحي إن عزفت..

عزفت أنشودة قلب ينزف مكتئبا،

في خلوته إشراقة عشق لا يفنى.. ص:19

وقد وظف الشاعر رموزا وأسماء أفاد بها هذا التعلق والانشداد الوجداني لكل ما له صلات بالوطن في مفهوميه الصغير (المغرب) والكبير (العالم العربي)، إذ نلفيه في قصيدة (لا شيء تغير يا سيزيف) يذكر (بغداد) و(مسرور) سياف الرشيد، و(بحر العرب) و(عدن) و(نجران) و(النيل) و(دمشق) و(بابل)، مشيرا من طرف خفي إلى الإخفاقات التي توالت في ذا الزمن البئيس والكئيب، يقول: (أحلامك تسقط في الإسفلت البارد بعد ربيع لم يربع) ص:11، معبرا بشعره عن الرفض الشامل لكل ما يمكن أن يأتي من أزمنة الوباء، وهو ما أفصح عنه في قصيدة (الموت والفرح) المؤرخة في 10/02/2013، حيث نجده في المقطع الثالث يقول:

لا، لست أطيق ربيعا موبوءا،

وخريفا موبوءا،

يغزو المدن الثكلى،

يتجبر في وطني بغبار جاث

في صفحات كتابي،

يطرق أبوابي..

بجنون يخنق أنفاسي،

يغتال الخضرة في دمني،

ويشتت أوراقي.. ص:64

وتتداخل الرموز الموظفة من قبل الشاعر لترسم حالة من الوجود المختنق بالهزائم والإخفاقات، والمليء بالإصرار على فتح كوى وطاقات ليلج منها النور الفرح. فشخصية سيزيف تتداخل مع شخصيات أسطورية عوليس والسندباد البحري، كما مع شخصية دينية هي شخصية السيد المسيح، ومع شخصية تاريخية تميزت بلغتها الصوفية وبتعرضها للموت من أجل معتقدها هي شخصية الحلاج. ليغدو الجميع رمزا واحدا يكشف التيه والعذاب الذين يعيشهما الإنسان في هذا العالم العربي، مثلما يبرز التضحية بالنفس من أجل الآخرين ومن أجل المعتقد الفكري. فالشاعر يخاطب هذا الإنسان العربي بصفته (سيزيف الربان الغارق في زبد الرؤيا) ص:08، ولأنه يشترك وإياه في نفس المعيش نجده قائلا بحسرة (في الظلمة يؤسر قارب رحلتنا) ن.ص، ويسائله كاشفا تصديه وصلابته فيقول: (كم صخرا صرت تقاوم يا سيزيف، ولم تسقط؟) ص:09، وتحل عنده (الحسناء العربية) محل (بينيلوبي) زوجة عوليس التي ظلت في انتظار بعلها التائه وسط البحار، والتي استمرت تحوك نسجها ثم تجعله أنكاثا حتى لا تتيح لخطابها الاستيلاء على ممتلكات عوليس الغائب والمنتظر عودته، فـ(الحسناء العربية) عند ذ.فراجي هي الأخرى (ما زالت خلف الشباك تراقب بعد رحيلك موج البحر، وفي عينيها تنكسر الأضواء) ن.ص. ثم نجد الشاعر يمزج بين شخصيتي سيزيف والمسيح في قوله: (في غابات متشابكة الأشواك ـ أيا سيزيف ـ أراك مسيحا) ص:10، ولأنه لا يفصل بين الذات الشاعرة في هذه النصوص وبين الرموز التي وظفها، فإننا نلفيه في قصيدة (عتبات السؤال) يقرر اكتواءه على بحار كان فيها (سندبادا لا يبالي)، ويعلن رؤيته لذاته (مسيحا مقيدا في لوحته)، ويصور نفسه (هائما مثلما الحلاج في محرابه).

وفي مقابل هذه الرموز التي تجسد معاناة التيه والعذاب، والتي تتقدم قربانا وأضحية من أجل ما هو أفضل وأجمل، من أجل ما هو نوراني، استعمل الشاعر رموزا تفيد مصادر الشر وإحداث القهر، نذكر منها رمزين هما الحجاج وميدوزا. ففي (قصيدة (لا شيء تغير يا سيزيف) يأتي ذكر الحجاج مقترنا بالإحالة على العنف الدموي، والغصب والقتل، فيتداخل ذكره بالإحالة على (شهريار):

لا شيء تغير يا سيزيف على طرقات القهر..

وفي أمواج الموت شظايا من وطني،

من أشلاء العنقاء جنون ملتهب،

ورماد منفجر،

ورماد الرعشة لم يتشكل من جمرات خامدة،

وحبيبتك المتمردة الآن انتحرت في محراب الحجاج،

ولم تشرق شمس في صبح الليلة بعد الألف،

 ولم تتفتح أزهار المدن الثكلى.. ص:12

ومعلوم أن الحجاج شخصية تاريخية اقترنت بالعنف والقتل في الذاكرة العربية، فهو رمز للسلطة الغاشمة، مثله في ذلك كمثل (شهريار) قبل أن تحوله حكايات (شهرزاد)، ولذلك جاء بهما الشاعر مقترنين، وصور من خلال استحضاره لهما واقع القهر والغصب والتقتيل المعيش في المجتمع العربي خلال هذا الزمن المقيت. أما (ميدوزا) فشخصية خرافية ورد ذكرها ضمن الأساطير الإغريقية، على أنها فتاة حسناء مارست الجنس مع إله البحر بوسيدون في معبد أثينا، فحولتها هذه الإلهة إلى امرأة بشعة المنظر والمظهر، واستحالت ضفائرها ثعابين، وصار بإمكان عينيها أن تحول كل من ينظر إليها فيصير حجرا متكلسا قابلا للتكسر والتهشم شظايا، ولأن الشاعر ذ.فراجي يعي هذا المعطى، أو هذه الخصيصة في شخصية هذا الكائن الأسطري، فقد عمد إلى استثمارها في قصيدة (ما حكيت للريح عن زمن الإبحار)، حين قام بذكرها في المقطع الرابع، وهو يتوجه بالخطاب إلى من دعاه باسم (ناصر)، وقد جاء بذكرها ذاك ضمن السؤال التالي: (هل يذكرني التاريخ وقد صلبتني أعين "ميدوزا"؟) ص:79.

يتبع 

متابعة ثقافية - حوار الريف



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك