الرئيسية | أراء | أوراق من مسودات ناقد مسرحي

أوراق من مسودات ناقد مسرحي

بواسطة
أوراق من مسودات ناقد مسرحي حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

  الباحث الأنثروبولوجي الدكتور عبد الواحد بنياسر                                      

(1)

مارس المسرح بدافع عشقه اللايقدر لأبي الفنون  و هو لما يزال الشاب اليافع المفعم بكل العنفوان . محرابه النادي المراكشي كوميديا . الفرقة المغربية التي استفاد رواد ها ;وعلى رأسهم المخرج المسرحي الأستاذ عبد العزيز الزيادي ،و نقلوا على سبيل التأطير لشبابها – وهوواحد منهم–قواعد الممارسة المسرحية و أدوات العمل ومنهجية الاشتغال على فضاء الركح التي تلقوها عن المخرج الفرنسي جون فيلار.

 نفس العشق،بطموحاته اللذيذة و أحلام بسعه عيون جيل سبعينيات القرن إياه قاد عبد الواحد ابن ياسرللدراسة بباريس، متأبطا برنامج عمل صارم ولوحة قيادة شخصية أفضى التقيد بهما بالشاب العاشق حد التماهي بالمسرح إلى مدرجات كلية آداب القاضي عياض ،حيث يدرس منذ أكثرمن ثلاثين سنة المسرح والانتروبوجيا. وفضلا عما يكرسه - كمتخصص - من جهود للنقد المسرحي والسينمائي،يعتبر الدكتورعبد الواحد ابن ياسر واحد من فريق العمل الذي ظل يشتغل و بجهود لا تلين ،من موقع المدير الفني للمهرجان الدولي للمسرح بمراكش، لأجل صون وضمان استدامة هذه التظاهرة المسرحية ذات الإشعاع المغاربي والعربي والدولي. في زحمة انشغالاته وارتباطاته المختلفة،خصنا في حوار الريف بهذا اللقاء حول المهرجان الدولي للفلم بمراكش .

من المعلوم أن السينما فن وصناعة، فن شامل مثل المسرح الذي خرجت من معطفه وعاشت في حضنه لفترة طويلة، فكل أو أغلب الذين صنعوا روائع السينما في فترة ازدهارها الأول  جاؤوا من المسرح: المخرجون والسيناريست والممثلون الكبار في أوربا الشرقية والغربية والولايات المتحدة و آسيا وإفريقيا والعالم العربي.. فن شامل لأنها تنهض على تركيب أو توليف تتداخل فيه الموسيقى، والتشكيل، التشخيص والحوار. وهي أيضا صناعة (تكنولوجيا) بكل ما تعنيه هذه الأخيرة من رأسمال مالي ووسائل إنتاج وشغيلة وأرباح وفائض قيمة... لذلك ترى وجهة نظر معينة بأن السينما هي فن عصر الامبريالية، فهما معا تلتقيان في التجميع والشمولية والهيمنة. وليس غريبا أن يُسمِيَ التاريخ الفرنسي سنة 1900 – أي سنوات قليلة جدا بعد اختراع أول جهاز سينمائي على يد les Frères Lumières - بسنة التوسع (l’année de l’expansion). ويحتاج  تحليل هذه العلاقة إلى حيز أوسع مما نحن بصدده...، أما عن علائق السينما بحياة المجتمعات والأفراد، فيمكن القول بأن العالم لم يعد هو نفسه بعد اختراع السينما، فقد شكل هذا الابتكار السحري والعجيب لحظة فارقة للمجتمعات والثقافة الأكثر تقليدية وانغلاقا. وإذا اكتفينا بشعوبنا العربية فقط، فما زال من بقي من أفراده على قيد الحياة، يستظهر عن ظهر قلب عناوين الأشرطة و أسماء النجوم وأغاني الأفلام وأنماط العيش وأشكال اللباس والحدائق واللهجات واللكنات، وغيرها مما تصوره وتعرضه تلك الأفلام. وإذا كان من وسيط قد حقق مقولة "العالم قرية صغيرة" ، فهو فن السينما بامتياز.. واليوم تلعب السينما دورا خطيرا لقوتها التأثيرية الاستثنائية من بين كل فنون التعبـير سلبا وإيـجابا، ولأنـها "جهاز إيديولوجي" في نهاية التحليل، تستطيع أن تجعل من قضية عادلة قضية خاسرة ومن موضوع مبتذل تافه موضوعا مثيرا، والعكس أيضا صحيح... ويعلم المهتمون أن تاريخ  السينما على امتداد أكثر من قرن من الزمن، متخم بالصور النمطية حول الشعوب والأعراق والثقافات: اليهودي التائه البريء، الهندي المتوحش، العربي الشبقي الإرهابي، الأوربي المتحضر، الأمريكي الخارق... ! غير أن السينما ليست فنا واحدا متجانسا، إنها ككل أشكال التعبير "سينمات" (Cinémas)، فهناك أيضا سينما جديدة ومبدعة، وتتمتع بصِدقية فكرية وجمالية وفنية عالية. ولذلك فالتمحيص والفرز والحكم السليم، يقتضي منا جهدا فكريا وفنيا كبيرا مسنودا بأدوات تحليلية صارمة ودقيقة..

(2)

لا بأس أن نقول هنا إنه أصبح للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش "سيرة ذاتية"، وككل سيرة فإننا نجد فيها الواقعي والتخييلي وحتى بعض "التخريف" أحيانا ! .. لنعد قليلا إلى البدايات – وبالمناسبة فقد حضرت كل الدورات وكتبت عن بعض الأشرطة المعروضة، وتكهنت على سبيل التسلية ببعض نتائج الدورات الماضية وأصبتُ فيها – إذ لم يكن للدولة دور كبير في تأسيس المهرجان، اللهم ما كان يقتضيه دورها بوصفها الدولة / البلد المحتضن. فقصة المهرجان نسجت خيوطها عوامل الزمن والمكان والشخصية/ الشخصيات. لم يكن أحد يُصدِّق أنه يمكن لبلد كيفما كان، أن يقوم بتنظيم مهرجان للسينما في مناخ دولي مدعور خائف متمزق بين الفوبيا  و البيسكوز عشية أحداث 11 شتنبر الإرهابية. وهاهي مدينة عربية اسمها مراكش التي كان وما يزال الأمريكي البسيط يخلط بين موقعها الجغرافي وموقع بغداد أو أي عاصمة عربية أخرى؛ تحتضن مهرجانا سينمائيا سيكون له شأن كبير بين المهرجانات الدولية شرقا وغربا. أما المبادرة فقد جاءت من شخصين (زوجين) عاشقين للسينما وللمغرب، وتزامنت مع لحظة تحول كبير في مسار هذا البلد وتوجهاته واختياراته الكبرى، مما شكَّـل تربة خصبة للمبادرة التي تحولت في زمن قياسي من مهرجان مبتدئ بسيط بإمكانيات محدودة إلى ما صار عليه اليوم... ويعلم العارفون بالمهرجانات والملتقيات الفنية والثقافية، أن أنجحها هو ذلك الذي يبدأ صغيرا ثم يتطور تدريجيا.. وأيضا لا يُصاب بالهرم والشيخوخة ! ..

(3)

أشرت إلى ذلك من قبل، ويمكن أن أضيف أن دور الدولة في تنظيم المهرجان يتمثل في الاحتضان، والرعاية السامية، والإدارة الأميرية، والسهر على التدبير والتنفيذ. ومن البديهي أن في ذلك العديد من المكاسب السياسية للدولة وللوطن. المهرجان يحقق إشعاعا للبلد في مستويات كثيرة ذات أهمية كبيرة، سياسيا وثقافيا وسياحيا وعمرانيا. إنه كذلك يساهم في تسويق صورة معينة عن الاستقرار والتعايش وسط مناخ مضطرب وموقع جيوسياسي مهدد بكل أشكال الدمار والعدوان والإرهاب بكل ألوانه وأطيافه ومصادره.. إنها صورة للتساكن الاجتماعي والسياسي، على الرغم من أشكال الهشاشة العنيدة، وجيوب المقاومة الفاسدة التي تقف في وجه فعل التغيير والتخطي.. بالعودة إلى الدورة الأخيرة للمهرجان – وفعالياتها ما تزال طازجة –  يمكن القول إن المهرجان يحتاج ككل منتوج ثقافي، إلى وقفة تأمل وتقويم لما راكمه حتى الآن، وأيضا للثغرات والهنات التي اعترت مساره. فتقليص عدد الضيوف مثلا له مبرراته، لكن الملاحظ أنه مع هذا التقليص تظل الوجوه هي هي، والأسماء المدعوة هي نفسها منذ الدورة الأولى، في حين نجد عددا من رواد السينما الوطنية الكبار لم تتم دعوتهم إلا مرة واحدة يتيمة في أحسن الأحوال. كما أن حَجبَ اليومية الورقية للمهرجان لم يكن بالإجراء الجيد. ثم إن حرمان المهرجانيين من كِتاب المهرجان – وهو في رأينا وثيقة ضرورية لمتابعة جيدة للأشرطة – كان مصدر إزعاج للكثير منهم، وإلا ما جدوى طبعه ونشره على ذلك المستوى من الأناقة والجودة المكلفتين؟... وهناك أيضا هذه الظاهرة الغريبة المتمثلة في عزل الضيوف الأجانب – مخرجين، سيناريست، ممثلين – في فضاءات مغلقة وشبه مجهولة، بعيدا  لا على عموم الجمهور فحسب – وهذا يمكن تفهمه – بل حتى عن زملائهم ونظرائهم في المهنة !  ربما كان للقائمين على المهرجان في ما يعشقون مذاهب... ! على كل حال، لا بد أن يتوفر مهرجان من هذا الحجم على نوع من ثقافة التقويم والنقد الذاتي والإنصات إلى نبض الممارسين والمهنيين لتجديد دمه وجلدته.

(4)

هذا سؤال شائك ومركب، ولا يمكن الإجابة عليه في كلمات.. الحديث عن الوظائف السياسية والاجتماعية للثقافة والفن من باب تحصيل الحاصل. وبصفة عامة، ما يحصل لنا اليوم سياسيا هو نتيجة مباشرة لانفصال السياسي عن الثقافي، نمارس سياسة/ سياسات بدون خلفيات ثقافية وفكرية وبدون مواقف مبدئية، ويسري ذلك على التحالفات والتوافقات مثلما على المواجهات والانشقاقات، كما ينطبق على سياسيي النخبة، مثلما على سياسيي "الشكارة" و الريع.. وبخصوص ما نحن بصدده، فهناك طلاق بائن بين الفن والسياسة في مشهدنا الثقافي. رجل السياسة يعتبر الثقافة والفن "لعب أطفال" غير جدي ولا أهمية له أو ترفا زائدا في أحسن الأحوال. ورجل الثقافة و الفن في انزوائه البئيس يرى أن للسياسة محترفيها، وأن ممارسته غير معنية بها. هذا الطلاق البئيس هو ما جعلنا ننتهي إلى ما انتهينا إليه اليوم في حياتنا العامة .. يجهل سينمائيونا – باستثناء فئة قليلة – أن تاريخ السينما العالمية يعج بأسماء كبيرة لفنانين أفذاذ جمعوا في مسارهم بين الفن والفكر والنقد السياسي الذي كان يقُضُّ مضاجع السلطة السياسية أشد من خطب السياسيين المحترفين أنفسهم. لنستحضر أسماء: (إيزنشتاين) و(دوفشنكو) و"الأمير الأحمر" (فيسكونتي) و(فيلليني) و(بازوليني)، ومن العرب: (بشير الديك) و(عاطف الطيب) و(خيري بشارة) والرائد (يوسف شاهين)؛ دون أن ننسى تجارب أوربا الغربية وأمريكا اللاتينية.

(5)

كيفما كان المجال الذي يتم فيه تكريم مبدع معين، سينما أو مسرح أو تشكيل أو شعر.. ، وكان من كان هذا المبدع، مغربيا أو عربيا أو أجنبيا؛ فإن فعل التكريم المستحق يؤشر على قيم وثقافة الاعتراف والجمال والخير، ضدا على آفات الجحود والنكران والإهمال والعدوانية أحيانا، المستشرية فينا. قبل دورتين من مهرجان الفيلم بمراكش، تم تكريم الفقيد محمد بسطاوي، واليوم يرحل عنا إلى دار البقاء.. تُرى ماذا يتبقى من الرجل غير أعماله الفنية ولحظات الاحتفاء به، وفي مقدمتها تكريمه المشار إليه، كعلامات مائزة في مساره، وتخليدا لذكراه  وحضوره في ذاكرة أهله وزملائه وجمهوره. التكريم الصادق والمستحق لحظة فريدة واستثنائية في مسار المبدع، وفعل حضاري سامي في حياة الجماعة الإنسانية.

(6)

المهرجان الدولي للفيلم بمراكش مهرجان كبير بإمكانات مادية ولوجيستيكية هائلة، وفرصة لمشاهدة أفلام عالمية قد لا تتحقق إلا خلاله، كما أنه مناسبة للاحتكاك والاحتفاء بنجوم عالميين بشكل حي ومباشر (المرور على السجاد الأحمر، احتفالات جامع الفنا وسينما الريف سابقا...). كما أنه قد شكَّـل أحيانا، و لو قليلة ومحدودة، مناسبة للتلاقي بين سينمائيين مغاربة فيما بينهم أو مع أجانب، ينتج عنها التفكير في مشروع أو تجربة مشتركة، مثلما حدث بالنسبة لشريط "جوق العميين" لمحمد مفتكر، والذي انبثق كمشروع خلال دورة سابقة من المهرجان. 

أما مهرجان مراكش الدولي للمسرح، فهو مهرجان فقير ماديا، كل ثروته وغناه في إرادة القائمين عليه، وفي صفاء سريرتهم، وصدق طويتهم، وتفانيهم وعشقهم المجنون لأبي الفنون. وهو اليوم يبلغ سنته العاشرة، ولا يزداد إلا نضجا وصلابة وتميزا، بمواده وفقراته التي تتزايد وتتنوع دورة بعد دورة وسنة عن سنة.. مهرجاننا هو الموعد المسرحي الوحيد في الجهة وفي الوطن، الذي لا يقتصر على برمجة عروض مسرحية أو تكريم شخصية مسرحية، بل يزاوج بين الفكري والفني والاحتفائي، إذ فضلا عما أشرت إليه، فهو يعقد ندوة فكرية كبيرة يشارك فيها نخبة من الأكاديميين والباحثين والنقاد، وينظم جلسات لتقديم وتوقيع كتب مسرحية، ويبرمج ورشات تدريبية لفائدة مسرحيي المدينة وضيوف المهرجان. كما أنه يُصدر مؤلفا مسرحيا، وهذا خلال الدورات الثلاث الماضية. وكلها فعاليات ينفرد بها من بين كل المهرجانات المسرحية، بما فيها مهرجان الوزارة الوصية.وهناك بعض الجهات التي صارت تُقلّدنا أو تسير على خطانا، وهذا شيء جميل، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون !... كل هذا في ظروف إعدادٍ وتنظيم سيئة ومُنهِكة، وبإمكانات مادية ضحلة. لكن قافلة المهرجان تسير وتتقدم من حسن إلى أحسن، خدمة للمسرح وأهله وللمدينة وللوطن.. آمل أن لا يُضيع المسرحيون أنفسهم هذا المكسب، مثلما أضاعوا ملتقيات ومهرجانات مماثلة بهذه المدينة خلال العقود الثلاثة الماضية !..أخيرا، أتمنى للمهرجانين معا الاستمرار والمزيد من التألق والإشعاع الذي هو في الأول والأخير إشعاع لمدينتنا وهويتنا الثقافية ولمغربنا.



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك