الرئيسية | أراء | علم العلاقات الدولية والواقع المتغير

علم العلاقات الدولية والواقع المتغير

بواسطة
علم العلاقات الدولية والواقع المتغير حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

د. إدريس لكريني

تنطوي دراسة العلاقات الدولية في أبعادها النظرية والتفاعلية على قدر كبير من الأهمية في عالم اليوم، مع تشابك هذه العلاقات وتطورها على مستوى الفاعلين، والقضايا، والأولويات، ووسائل الاتصال. غير أن الأمر لا يخلو من صعوبات وتعقيدات، خصوصاً في ما يتعلق بتناول هذه العلاقات كتفاعل اجتماعي بأبعاده السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والثقافية، أو بالتعاطي معها بوصفها حقلاً معرفياً أي كموضوع للدراسة والتحليل.
فعلى مستوى تناول هذه الموضوع كظاهرة اجتماعية، ربط بعض الباحثين ظهور العلاقات الدولية بتلك التفاعلات التي نسجت منذ تاريخ بعيد، وهي العلاقات التي ظلت محدودة من حيث أطرافها ومجالاتها، حيث انصبت على بعض المجالات التجارية والعسكرية قبل أن تتطور بصورة مذهلة منذ بدايات القرن العشرين مع تعزيز قواعد القانون الدولي؛ واستقلال عدد من الدول، وتطور وسائل الاتصال وتشابك العلاقات الاقتصادية وبروز فاعلين جدد بعد تأسيس عصبة الأمم ومنظمة الأمم المتحدة؛ وتمدّد نشاط الشركات الاقتصادية الكبرى العابرة للحدود.

أما على مستوى التعاطي مع هذه العلاقات باعتبارها حقلاً معرفياً، فقد برزت الإرهاصات الجدّية الأولى لبناء علم العلاقات الدولية في الربع الأول من القرن العشرين، كمدخل لتفسير الظواهر الدولية والتنبؤ بمآلاتها، وتهدف الدراسات المرتبطة بهذا العلم إلى تحديد وفهم سلوك الفاعلين الدوليين، واستخلاص النتائج، للمساهمة في تفسير وتنظيم الصراعات والأزمات الدولية، وهي الجهود التي أفرزت مجموعة من النظريات.

ثمّة العديد من العوامل التي أسهمت في التأسيس لعلم العلاقات الدولية، يمكن إجمالها في تزايد استقلال عدد من العلوم الاجتماعية عن الفلسفة، ووجود تراكم معرفي لعدد من الباحثين والمهتمين في القضايا الدولية، وتطور العلاقات الدولية من حيث أطرافها وقضاياها، والرغبة المتزايدة في تفسير الوقائع الدولية والتنبؤ بمآلاتها، علاوة على تزايد حدّة الحروب والمنازعات الخطيرة، وتنامي البعد الاقتصادي في العلاقات الدولية، وبروز عدد من المراكز والمؤسسات التي تعنى بالقضايا الدولية، ثم إدراج مادة العلاقات الدولية في العديد المؤسسات الجامعية على امتداد مناطق مختلفة من العالم.

وتباينت نظرة الباحثين والمفكرين إلى طبيعة العلاقات الدولية وما إذا كانت تتسم بالفوضوية أو النظام، فرواد اتجاه الفوضى، أمثال الأمريكيين «هانس موركانتاو» و«ستانلي هوفمان»، والفرنسيين «ريمون آرون» و«جورج بوردو»، يؤكدون على أن السمة الغالبة على المجتمع الدولي هي الفوضى، فيما نجد رأياً متفائلاً، يشير إلى أن هناك ما يكفي من المؤشرات والدلائل الواقعية التي تؤكد على انتظامية العلاقات الدولية.

وعلى امتداد أكثر من قرن، سمحت الإسهامات الفكرية التي راكمها الفلاسفة والباحثون من مدارس واتجاهات مختلفة، بإغناء هذا الحقل المعرفي، والمساهمة في تعزيز استقلاليته، وتطوير النظريات المتصلة به.

وتشكّل مجمل الإسهامات والاجتهادات التي ظهرت ما قبل التسعينات من القرن الماضي، إرثاً معرفياً مهماً في هذا الخصوص، وهي تعكس في مضمونها طبيعة العلاقات الدولية التي عمّت في هذه المرحلة، بقضاياها وانشغالاتها وأولوياتها وتوازناتها وتطوراتها.

وسمحت المقتربات التي ظهرت خلال هذه المرحلة بالتعاطي مع الظواهر والقضايا الدولية من زوايا مختلفة، سعياً لبناء نظريات قادرة على التنبؤ، أسوة بعدد من العلوم الأخرى، ويبدو أن الانتقادات البنّاءة التي وجهّت لهذه المدارس، سمحت بإحداث دينامية على مستوى تطوير هذه النظريات، وظهور مقتربات جديدة لم تتوقف عن الاجتهاد بصدد تفسير الظواهر الدولية..

وفي بداية التسعينات من القرن المنصرم، شهد العالم تبدّلات كبرى، إثر نهاية الحرب الباردة بانشغالاتها، وأولوياتها، وصراعاتها المختلفة، وهو ما أثار نوعاً من الفوضى على مستوى التنظير في العلاقات الدولية، بسبب التحولات المتسارعة التي شهدها العالم، التي عجزت المقتربات التقليدية عن تفسيرها، أو التنبؤ بمآلاتها.

فالواقع الدولي الذي أفرزته هذه التحولات، وضع الكثير من المفاهيم التي ظلت سائدة على امتداد عدّة قرون زمن الحرب الباردة موضع تساؤل، وفي مهبّ تحولات العولمة، التي عززت من تشابك العلاقات الدولية على عدة مستويات، كتنامي البعد الاقتصادي، وانتشار التكنولوجيا الجديدة التي أسهمت من جانبها في تشبيك هذه العلاقات بمنظومة اتصال جدّ متطورة، أصبح معها العالم بمثابة "قرية صغيرة"..

فمفهوم القوة لم يعد مرتكزاً إلى المقوم العسكري فقط، بل ازدادت أهمية المحدد الاقتصادي وامتلاك التكنولوجيا الحديثة والمعلومات، وتصاعدت أدوار الفاعلين من غير الدول كالمنظمات والشركات الكبرى، فيما تعززت الحماية الدولية للفرد، كما أن مفهوم السلم والأمن الدوليين الذي ظلّ لعقود من الزمن مقروناً بغياب التّهديدات العسكرية، أضحى أكثر شمولية واتساعاً، مع تزايد الاهتمام بقضايا تلوّث البيئة، وجرائم الإرهاب الدولي، وتعاظم الجريمة المنظمة، وهي المتغيرات التي فرضت من جهة أولى، تطوير آليات تدبير المنازعات والأزمات، انسجاماً مع التعقيدات التي باتت تطرحها الأزمات في عالم اليوم، ومراجعة العديد من المفاهيم التقليدية التي أضحت متجاوزة من جهة ثانية.

إن الانتقادات التي واكبت تطور النظرية في العلاقات الدولية، وبغضّ النظر عن مصادرها، وعن المدارس المستهدفة بها، لا تنتقص في حقيقة الأمر من أهمية وجدّية الجهود المعرفية المتراكمة في هذا الخصوص، كما أنها لا تحدّ من قيمة العلاقات الدولية كعلم، بقدر ما تحيل إلى دينامية هذا الحقل المعرفي وتطوراته، ومواكبته للمتغيرات التي تشهدها الساحة الدولية في جوانبها التعاونية والصراعية، وهو ما يؤكد أن علم العلاقات الدولية مرشح للتطور أكثر، انسجاماً مع المواضيع والقضايا التي أفرزتها التحولات الميدانية الدولية التي ضاق خلالها الهامش بين الشؤون الداخلية من جهة، ومثيلاتها على الصعيد الدولي من جهة أخرى. 

drisslagrini@yahoo.fr



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك