الرئيسية | أراء | الشعبويَّة وحدود ضرورتها

الشعبويَّة وحدود ضرورتها

بواسطة
الشعبويَّة وحدود ضرورتها حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

ولأن مفهوم الشعبويّة أو نقول الوصف التحليلي لهذه الظاهرة يعد قديما قدم المفاهيم السياسيّة التي جاءت بها الإدارة الديموقراطيّة في أثينا ،وهو كذلك قد عرف أنذاك عند الإغريق وانتقد ،هذا ما يجعلنا اليوم أمام إرث طويل متراكم من المعالجات والتصنيفات والتعريفات ،إرث فكري كبير ،لا يسعني أمامه في هذه المقالة الموجزة إلاّ تخطيه والبحث مباشرة عن أهم نتائج وأثار هذه الظاهرة في السلوك السياسي المعاش ،خاصّة فيما تعلق بالخطاب السياسي التغييري، الغير المنظم ،أو نقول عنه الغير المحاط بأسوار حزب أو دولة أو تنظيم .أو قد نسميه بالشعبويّة الإحتجاجيّة .

يذهب أغلب من تناول هذا الوصف على أن الشعبويّة هي الخطاب السياسي الذي يعمل على استثارة عواطب الجماهير بالبحث عمن يستثيروها في الكلمات العامّة ،دون أن يكون للشعبوي رغبة في تثقيف هذه الجماهير أو مصالحتها بكل جوانب معركتها . وحيث أنه استقواء من أكبر كتلة ممكنة من الشعب فمن الطبيعي أن يعتبر الشعبوي نفسه هو الشعب والشعب هو المقدس وبالتالي هو نفسه المقدّس،أي في النتيجة نفي لأي تعدد أو فكر .أمّا أنا فسأعرّف الشعبويّة بأنها تغذي على الوعي الحسي والقناعات السابقة للجماهير دون أن توجد رغبة في إعادة تثقيفها أو تتنقيّة قناعاتها السابقة الأوليّة أوتطويرها ، أي بالنتيجة هي عمليّة رجعيّة ولو تمت في قالب ثوري تغييري.وأخطر من هذا أنها استئجار مرحلي لقوّة الجماهير دون مصارحتها بهدف تحركها الإستراتيجي وهذا في المحصّلة قد ننعته بالتدليس والكذب.

يتفق الشعبويين إذن على تقديس العفويّة وأنه ليس بالضرورة أن تكون الجماهير منظمة ،حيث يعرِّفون التنظيم على أنه الإحتشاد فقط ،وليس هناك ما هو أبعد منه يتفق الشعبويين إذن على تقديس العفويّة وأنه ليس بالضرورة أن تكون الجماهير منظمة ،حيث يعرِّفون التنظيم على أنه الإحتشاد فقط ،وليس هناك ما هو أبعد منه ،وفي الوعي يعتقدون في أنه ليس هناك ما هو أبعد من وعي الجماهير الحسي ،أي الإمتلاء بالسخط على الواقع الإقتصادي والسياسي هو أقصى ما يمكن أن يترجمه وعيها .فهل يكفي إذن سخط عامة الشعب على الواقع ليتغيّر واقع حالهم ؟وحتّى إن ترجموا ذلك السخط في احتشاد لحظي، فهل هو كاف بأن تسير الأمور في صالحهم ؟ طبعا في اعتقادنا لا ،لأن تأثير الشعب رهين بتحوله إلى قوّة ماديّة ،وبدورها القوّة الماديّة غير كافيّة إذا لم تجلب الإستمراريّة ،أي وجود نفَس ،وما من شيئ يحصِّل هذا النَّفَس غير أن تنظم الجماهير نفسها من الداخل ،وليس بمقدورها أن تتماسك حقيقة من الداخل إلاّ إذا كان انتظامها تم على أساس رابط معنوي سليم وقوي بين عناصرها وأفرادها ،وأغلب الروابط المعنويّة في التاريخ كانت عبارة عم فكر وإديولوجيّات .

والشعبويّة ليست على كل حال خطاب خالي من أي ايديولوجيّة ،ولا يمكنها من طبيعتها كخطاب سياسي أن تكون كلام فارغ وثرثرة لا جدوى منها ،الشعبويّة هي غبار فكر ما وعصارة واقع اجتماعي وسياسي وثقافي موجود ،إذ من الممكن أن توجد شعبويّة ذات مضمون يساري ويمكن أن تكون ذات مضمون يميني أو إسلامي ،أي يمكن أن تكون مفيدة في العمليّة التغييريّة ،وإفادتها ستكون في الوقت الذي توجد فيه تحت السيطرة ومتحكم بها ،فلنا هنا على سبيل المثال في ظهور المذاهب الإسلاميّة في العصر العباسي أفضل صورة وأزكى مثال، إذ كان مفكروا هذه المذاهب الفكريّة رغم كونهم من عليّة القوم لم يستصغروا التزاحم على منابر الشعبويّة (الدّعاة ) ،لتمرير أفكارهم النظريّة ووحدهم المعتزلة فقط من كان يعتقد أن المجموعات النخويّة كفيلة بنشر أفكارهم ، وفي هذا أخطأوا ، فالشعبويّة المتحكم بها ليس شكل من ابتذال الفكر بل هي تكتيك دعائي مهم وضروري.

إذا كان الخطابي في وقتنا هو من يتعامل مع الجماهير بالفعل ، والمفكر من يتعامل معها نظريّا فقط ولا يخاطبها أو نقول لا يحسن التعامل معها ،فهذه مشكلته هو ودليل على وجود خلل في التواصل لديه أو كونه على خصام مع مجتمعه ،ينبذه أو هو يتعالى عليه أو أن أسلافه المفكرون خانو الجماهير وحفظ الأخير درسه .لذلك في وجود هذه الحالة الغير الطبيعيّة ،على الإستراتجيون أن يوفروا لأنفسهم منابر شعبويّة و أن يمرروا أفكارهم للخطابيون وأن بتواروا هم لخدمة التنظيم وقطف ثمار مجهود الخطّابي ،مستفيدون من درس التاريخ الذي علمنّا أن الخطّابي ليس حريصا كثيرا على الإستمراريّة بل يسعى في غالب الأحيان إلى قطف كل مجهوده في محطّة واحدة وحتّى إذا هو تجرّأ على المواجهة بجمهوره فسينتهي به المطاف في الأسر أو القتل ،كما حدث لرموز كثيرة في التاريخ ،والأبقى في كل الأحوال كان من نصيب التجارب التي ناضلت بالفكر والتنظيم..(وحتّى إن استئصلت فإنها تترك تجربة ).

الشعبوي في نظري يجب أن يكون أداة فقط ، أداة حرّة وليست عميلة ، وسيلة للتجميع والإثارة ومدفع في مقدّمة من يبنون ، وجوده ضروري في أي عمليّة ثوريّة وتغيريّة وأهميته لغيره هو نقصه الشديد في النظر بالرغم من براعته في التكتيكات القصيرة المدى . 

عمر سعلي



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك