الرئيسية | رأي من زاوية أخرى | العدالة والتنمية صاحب الميتافيزيقية السياسية أو عندما يتكلم الموتى !

العدالة والتنمية صاحب الميتافيزيقية السياسية أو عندما يتكلم الموتى !

بواسطة
العدالة والتنمية صاحب الميتافيزيقية السياسية أو عندما يتكلم الموتى ! حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

نحن الآن في المغرب أصبحنا أمام تفسيرات عجيبة لمعالجة الحالة الاجتماعية والسياسية ، فقد رزئ المغاربة بمصيبة سيطرة الإسلاميين سواء على الحكم أو على وجدان الشعب الذين يتصدرون الواجهة، فهم ينظرون إلى الأزمات انطلاقا من سؤال ديني لاهوتي ، ويشاركهم في ذلك عدد كبير من التيارات الثقافية والدينية والفكرية والسياسية سواء بشكل واعي أو بدونه، لأن المشترك بين هؤلاء جميعا هو نوع من السياسة الميتافيزيقية كمصدر للبحث عن الحقيقة.

فمنذ أن سطع نجم هؤلاء وتمكنوا من السيطرة على مقاليد الحكم رجع المغاربة إلى لغة الجوع والقحط والتنذر بالآتي المشؤوم، فبدل أن يرفعوا من معنويات الشعب من أجل فرض وجوده على الأرض كمتنافسين في عالم لا يرحم ، تراهم يقدمون وصفات أسطورية لحل الازمات لا تخرج في مجملها عن تقديم المنن والمنح والهبات والصدقات، وآخر ما تفتقت عليه مخيلتهم الميتافيزيقية هو إحصاء المغاربة لمعرفة من هم الميسورين ومن هم الفقراء وكأن الواقع يحتاج إلى إحصاء، علما أنهم أغرقوا غالبية الشعب في فقر مدقع حتى انمحت الطبقية وصار المغاربة طبقيتين : طبقة الأثرياء الأقلية وغالبية الشعب الذي يتعرض للتفقير بشكل مستمر.

ولابد من التنبيه أن هؤلاء الذين يحاولون حشو عقول الناس بمفاهيم مستقاة من مرجعية الموتى لأنهم لا يجدون راحتهم سوء بجوارهم، إنما يفعلون ذلك بوعي لأن لا خلاص لهم دون بقاء الشعب في محيط هذا الضباب الفكري الذي يجعل كل شيء محكوم بالأقدار " إن الله يرزق من يشاء .." وهي تكريس لنوع من الهيجيلية " هيجل " السخيفة، لأنهم ببساطة يخافون من الإقلاع.

إن اكتساح هذا الخطاب ساهم في التشكيك في خطابات العقل والمنطق وحتى أن بعض الماركسيين بدأوا يتشككون في أفكارهم ويحاولون التكيف مع مجريات موجات تفاهة لا طائل من وراءها، حتى صار اليوم في المغرب من الصعب السير على ذلك التمييز الذي أقامه عبد الله العروي بين الشيخ واللبرالي وصاحب التقنية، وهو تمييز يعتبره بعض المفكرين صالح للتحليل النفسي. وبات اليوم من الصعب تكييف هذه التاريخانية المتعالية مع واقع يتسم بالتحولات السريعة وبدون غائية محددة.

وحتى يتحول مصير الشعب مع هؤلاء إلى ما يشبه السقوط في هويات مجنونة التي تجعل الأموات يتكلمون بإسمنا في تماهي الزمان والمكان مع نماذج مروا من هنا يوما وتركوا أمثلة في الصراع، فالأمر يتطلب خوض صراع ضاري لمواجهة الفكر الظلامي، وهذه مهمة المثقفين، الذي يتخذ عدة أشكال وصيغ تأخر وعي الشعب الذي يؤمن بالحقيقة البسيطة المؤسسة كما كان يفهمها البشر في العصور الغابرة ، حقيقة مبنية على ثنائية  الصدق والكذب التي تم تفنيدها، لأن مقدماتها فاسدة أصلا نظير الأطروحة الاريسطية : كل الناس فانون ..سقراط إنسان .. إذن سقراط فان، وهي تحصيل حاصل لا يحصل دائما بدليل مضمون قاعدة أخرى: كل الكواكب ثابتة .. الأرض كوكب .. إذن الأرض ثابتة ، وهل الأرض ثابتة؟ هذه الحقيقة البسيطة والتبسيطية هي التي تحرك وجدان الناس في الوقت الراهن، وهي حقيقة تبسيطية، طالما انطلت حتى على الناس الذين يمتلكون قدرا هاما من الوعي الثقافي وانساقوا مع تيار التفاهة الجارفة المصنوعة من طرف كبريات شركات العوالم الرقمية لمنع تطور وعي الشعوب بالعدو الرئيسي والحقيقي الذي يستنزف وجودهم لكي يظلوا يواجهون مصيرهم كقدر وليس كواقع سياسي يواجه بالصراعات الاجتماعية والسياسية.

لا يمكن لدعاة الفكر الظلامي وأنصار الهويات المجنونة أن يعيش خطابهم دون الاستعانة بالدين واستلهام الأموات والعيش بجوارهم والفناء في التاريخ السردي الذي يحول الذاكرة إلى مخزون لا ينضب للحقيقة، والأخطر ما في الأمر أن الحقيقة الميتافيزقية تأخذ أبعادا حداثية ولعله الخطأ الفادح الذي ارتكبه فوكو ودريدا ونيتشه عندما أجمعوا في مواجهة الحقيقة المطلقة بالادعاء أن الحقيقة هي بناء ذهني وأن الحدث الاجتماعي لا قيمة له إلا في إطار التفسير وسؤال ماذا أعتقد أنا في هذا الحدث وليس الحدث كمعطى موضوعي.

إن الحقيقة الميتافيزيقية للفكر الأصولي على تعدد صوره حتى وإن بدا أنه هو المسيطر على الواقع، فإن الحقيقة مغايرة تماما وسرعانما تتعرى مع مرور الزمن الذي يسير حتما نحو التقدم والأمام ولا يمكن أن يعود إلى الوراء ، فالحقيقة ليست بسيطة ولا تبسيطية " الصدق والكذب " كما أنها ليست بناء ذهني ، بل ترتبط وقائعها بالتحقيق لمعرفة مدى صدقيتها بالمقارنة مع الواقع بالمعنى الواسع للكلمة، فالديمقراطية وحرية تقرير مصير الشعوب والحرية والعدالة هي الحقائق التي استقر عليها الفكر البشري ما عداها ليس سوى زابور ينفخ فيه لبلبلة المستلبين والستبلدين. 

أبو علي 



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك