الرئيسية | فكر وثقافة | ما هي الحريّة ؟ وكيف فهمها القائد مولاي موحند ؟استنباطات على ضوء مقولته:"لا أدري بأي منطق يستنكرون استعباد الفرد ويستسيغون استعباد الشعوب".

ما هي الحريّة ؟ وكيف فهمها القائد مولاي موحند ؟استنباطات على ضوء مقولته:"لا أدري بأي منطق يستنكرون استعباد الفرد ويستسيغون استعباد الشعوب".

بواسطة
ما هي الحريّة ؟ وكيف فهمها القائد مولاي موحند ؟استنباطات على ضوء مقولته:"لا أدري بأي منطق يستنكرون استعباد الفرد ويستسيغون استعباد الشعوب". حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

لا يوجد مفهوم في اعتقادي ناهز ما ناله مفهوم الحريّة من محاولة تفسير واستخدامات، متشابكة وأحيانا متقاطعة، من لدن كل تعبيرات المجتمع ونتائج تجاربه وأطواره الذهنيّة والماديّة ، وعلى مر التاريخ، ما من جهة إلاّ وادعت صحّة فهمها للحريّة وصوابيّة طرحها ،وحقها على أساس ذلك في تفنيد طرح الأخر واستعداءه. فما التعريف الواعد للحريّة الأقرب إلى الحقيقة الإجتماعيّة وإلى روح الكون ؟ وما قصدت بكون الحريّة ؟ وما مكامن استخدام الليبرالية الإنتقائي المصلحي للحريّة وقتل روحها ؟ وعلى ضوء هذا كله، كيف تصوّر القائد مولاي موحند الحريّة ومارسها ؟.

الحريّة في اعتقادنا ليست خاصيّة بشريّة وحسب، وإنما هي أوسع من ذلك ، إذ ملاحظة بسيطة للعالم ،مجهريّا أو ماكروسكوبيّا كفيلة بملاحظة أن كل شيئ يتدفق باستمرار نحو الحريّة ويتشوقها ،وحتّى إن بدت سلطة العلاقات الفزيائيّة ظاهريّا عسر في نظام الكون، فإن حقيقتها صورة على التكامل، فالجوهر الكوانتيمي لجميع الأجسام في الكون ضرب من الحريّة، لأن علميّا الأجسام الجامدة هي في الحقيقة جسيمات ما تحت الذرة، وهي طاقة، والطاقة حريّة ،كما الوعي حريّة ، والفكر حريّة ، وكذلك الضوء وتغريد البلابل ونمو الأشجار وهجرات حبوب اللقاء والطيور والحيتان في البحر حريّة أيضا...

إنه على ضوء هذا، نجد ،أن من أم الأخطاء اختزال الحريّة في خاصيّة انسانيّة فقط ،والسقوط في الأنانيّة والرياء ، وقصر النظر الذي مثل أوّل انحراف جدي، وأقول متعمد، في المعالجة الفكريّة لمفهوم الحريّة ،هذا المفهوم الذي تأثر كثيرا بالمعالجات التي تمت عليه مع المفاهيم الشائعة التي تأسست تحت رحمة البنيات الفوقيّة للصناعويّة والإحتكار والإستغلال ، وما أفرزه هذا الثلاثي  من أهوال ايكولوجيّة وإنسانيّة فضيعة ، تلك التي نمت عبر التاريخ مع التراكم المطرد لرأس المال والسلطة ، أقول تراكم السلطة من حيث المعنى ، أي الإيديولوجيّة ، أي تراكم الإختراعات المستمرة لأنجع الأكاذيب التي تمكن من إخضاع المجتمعات والتحكم بها ماديا ومعنويا عبر إخصاءها وصهرها في بوتقة الرعيّة ...، ومن ثم إطلاق العنان للإحتلالات وصهر الشعوب الأخرى وتدمير بناها المعرفيّة والماديّة، كما تحاول الحداثة الرأسماليّة فعله علينا منذ قرن ، وفعلته قبل ذلك عصبيات عرقيّة تحت مظلة الدين..فلا فرق أقول في سياق مراكمة السلطة بين مبرر سلطة الفرعون والنمرود في امتلاكم لمزيّة الألوهة ،وبين مبررات محاربة الإرهاب والتمدين ونشر السلم العالمي في هذا العصر...فلا فرق أقول في سياق مراكمة السلطة بين مبرر سلطة الفرعون والنمرود في امتلاكم لمزيّة الألوهة ،وبين مبررات محاربة الإرهاب والتمدين ونشر السلم العالمي في هذا العصر...

هذه هي ازدواجيّة الأنظمة الإحتكاريّة القائمة ،وبالخصوص من فيها أعمق تجذرا وتجربة وقوّة، إذ بنفس العزم الظاهري الذي تنادي به بالحريّة ليل نهار، تكافح من أجل تفقير الشعوب البعيدة وصهر ثقافتها ،على أمل إيقاعها في حضيرة زبنائها في سوق تجارة المعنى والمنتوجات، وداخليّا في نفس الوقت وبنفس التصميم لا تتوقف عن بث دعايتها لإخصاء شعوبها (كما يسميها فوكو )، وتكييفها على مقاس متطلبات كل مرحلة ، وكل هذا يجري تحت صك استراتيجي مهم، ألا وهو تقديم الحريّة الفرديّة على المجتمعيّة ، وتكثيف الدعاية على أساس ذلك بغية إلحاق أكبر قدر من التخريب بالروح الجماعيّة للمجتمعات ، أي في المحصلة تقويض السياسة فيها ونتيجة ذلك تخليها طوعا عن مصالحها، أي بتعبير أخر تخليها عن المقاومة وأسسها الأخلاقيّة والإجتماعيّة المحركة لها. وهذا أخطر ما انتبه إليه مولاي موحند من بين سلسلة جبال الريف ،وكان وأنا على ثقة في هذا بأنه أوّل رائد تحرري في دوّل العالم الثالث وفي افريقيا ينتبه لهذا المكر الخطير من النظام الرأسماليّ.

هذا الإنحراف الخطير مراده أيضا كون قيام الدولة القوميّة في أروبا وغير أروبا أُنشأت على أساس المصالح الماديّة لمن أنشؤوها فقط، لا على أساس حقيقة مفهوم الوطن، وهنا لا أبرئ الدول الإشتراكيّة التي سقطت في نفس الخطأ ...لذلك ما من حيلة للدولة غير أن تبني سيادتها وقوانينها لصالح حريّة الإنسان الفرد ،وهنا يكمن تفسير رفض عدد من الدول الأروبيّة إلى الأن توقيع عدد كبير من إعلانات الحقوق الإقتصاديّة والإجتماعيّة ،الشيئ الذي يكشف خذلانها للدموقراطيّة الحقيقيّة المتعلقة بها ،وأنانيتها القوميّة حين تنتهك حتى الحقوق الفرديّة في مستعمراتها وحروبها، ناهيك عن الإبادات العرقيّة والثقافيّة التي تجري على قدم وساق.

وكتنبيه ، على أننا لا نرد الحريات الفرديّة جملة ، وإنما ننتقد أساسات تأصيلها ، وعزلها عن الحريّة الجماعيّة أو المجتمعيّة ،فكيف لضمان حق الأكل لمن لم يجد ما يأكله ، وكيف لحريّة الأفراد دون حريّة مجتماعتهم وشعوبهم في التحرر والتنميّة ..إننا ندعوا ، إلى الموازنة بين هذه وتلك ، وإلى المساواة على أساس الإختلاف ،الإختلاف العابر للفرد والأنا والخصوصيّة.

إنّ مفهوم الحريّة التي فهمها مولاي موحند هي روح الكون، هي التناغم بين حريّة الشعوب وحريّة الفرد، حرّية الإنسان المجتمع لا الإنسان الفرد فقط كما قدمته وتقدمه الحداثة اللبيراليّة ، وباستطاعتنا هنا في الأخير أن نكيف شعار اللبيراليّة الشهير "دعه يعمل ،دعه يمر" على قناعة مولاي موحند ونقول بملئ الفم " دعونا نعمل ..دعونا نتحرّرّ".

"أرجوا في هذا الموجز أن أكون موفقا في التقديم والهدف، وكم أتمنى أن تنال مثل هذه الأمور الإلتفاتة التي تستحقها من أهل الإختصاص، وتكون بذلك بارقة لأمل قديم في تثبيت التصورات الفكريّة الأساسية حول فكر مولاي موحند وحقيقة الثورة الريفيّة المجيدة ". 

عمر سعلي



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك