الرئيسية | تعليق على حدث | الإعلام البديل وتحديات الصحافة المكتوبة

الإعلام البديل وتحديات الصحافة المكتوبة

بواسطة
الإعلام البديل وتحديات الصحافة المكتوبة حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

محمد بلمزيان

لا شك أن العالم يعيش اليوم على  إيقاع ثورة إعلامية هائلة لم تشهد الإنسانية  مثيلا لها من قبل، ولم يعد المرء مجبرا على  قراءة أو مشاهدة أو اتباع  أنموذج إعلامي واحد ووحيد ومن زاوية واحدة، كما كان الشأن الى عهد غير بعيد، حينما كان لزاما علينا اقتناء جرائد معينة يومية كانت أو أسبوعية أو شهرية أو مشاهدة  قنوات إعلامية بعينها، وانتظار مواقيت برامجها أو  ترقب إصداراتها في مواعيدها  المعلومة، على سبيل المثال لا الحصر،  كما هو  الحال في مجال الصحافة التقليدية ( المكتوبة ) والتي كنا نترقبها بشغف، وإحساس مشوب بنوع من  اللهفة للإطلاع على مضامينها المختلفة في زمن كانت فيه المعلومة شحيحة، وغير قابلة  للإنتشار في المكان إلا بصعوبة كبيرة ولايمكن توزيع منتوجها إلا بتكاليف مالية لا يستهان بها ، لكي تصل الى أيدي زبنائها أو قاعدتها التجارية إن  شئنا القول.

 لقد أصبح هذا الوليد المسمى (إعلام بديل) يشكل تعويضا لنقص فادح في مجال انتشار وتبادل المعلومات، وهو بذلك يقدم صورة مغايرة  لإعلام تقليدي، رسمي أو جماهيري، ميزته التفاعل (Interactive) بين صاحب الفكرة وبين أوسع قاعدة للقراء والمتتبعين، مع سرعة انتشار الخبر بدون عوائق زمنية أو جغرافية ،فهل يمكن أن يكون هذا الإعلام البديل هو المطمح والغاية التي  بإمكانها أن  يرتقي الى مستوى يرتاح اليه الصحافي ويرضي بمنتوجه القارىء الإفتراضي ؟  كيفما كانت زاوية النظر للإجابة  عن هذا السؤال، سيبقى في نظري سؤالا من السابق لأوانه البحث عن تفاصيله وتداعياته، ما دامت الصورة لم تتضح بعد  عن هذا المخاض الجديد .

لكن أمام التحديات التي يواجهها الإعلام المكتوب، خاصة في زمن غلاء أثمنة الورق ومراحل تسويق الصحافة التقليدية لسلعتها ومحدودية انتشارها جغرافيا، يجعلنا من الصعب التكهن بمصيرها أمام الزحف المتنامي للإعلام الإلكتروني وانتشار المدونات (Bloggers) كمواقع شخصية، إضافة الى الفايسبوك وتويتر، وهو ما اضطر كبريات الجرائد العالمية الى التسريح للعديد من طاقاتها البشرية وكوادرها في  غالب الأحيان، أو التقليص من عددها من أحسن الأحوال، كما هو الحال لأشهر جريدة أمريكية وهي (نيويورك تايمز) التي قامت بالإستغناء عن  أكثر من 60 % من  عدد محرريها، حدث هذا أمام عجزها بالوفاء بالتزاماتها المالية إزاء الطاقم الإداري والتحريري في زمن عدم تكافؤ فرص المنافسة بالطبع مع الإعلام الوليد إضافة الى غلاء الورق والحبر .

وأمام هذا الوضع الجديد للإعلام والخدمات المتطورة التي أصبحت بإمكانه تقديمها للقراء بشكل أكثر مرونة، عبر النص والصوت والصورة، بدأت حتى كبريات القنوات الفضائية تستشعر هذا الخطر الداهم ،والذي يؤدي الى تحجيم دورها وتقليص عدد مشاهديها أمام سهولة  استقبال أخبار عبر الوسائط الجديدة، وأنت تتواجد في أي مكان، بشرط التوفر على جهاز حاسب أو هاتف ذكي، مرتبط بشبكة الأنترنيت، وهو ما جعلها تهتدي هي الأخرى الى إحداث مواقع الكترونية على  شبكة الأنترنيت ، لحث مشاهديها على متابعتها بأكثر من تفاصيل ممكنة حول أخبارها المتواترة ،والتي تكتفي  أحيانا بإشارات موجزة  مستعملة  لغة تشويقية  لا تخلو من  استبطان لغة ماكرة،  تجعل المشاهد مفتتنا للبحث عن المواقع المعنية  لمتابعة تفاصيل القضية من زواياها المبتورة من النشرة المنتهية ،حيث يتعمد الصحافي الى تذكير المشاهدين بعنوان موقع القناة وهو ينبض على  الشاشة  طمعا  للزيادة من  نسبة المشاهدة  لبرامجها  على  الموقع الإلكتروني، كفضاء إضافي  يشتغل بالموازاة مع الطاقم الإعتيادي  لهذه القناة أو تلك، وهو نفس الأمر الذي دأبت عليه حتى بعض الجرائد الورقية، حيث قامت بإحداث مواقع الكترونية لها  للسماح لقرائها بانجذاب دائم  الى متابعة   هذه الصحيفة أو تلك،لضمان شروط بقائها أمام الرغبات المتزايدة للقراء والشباب  وميلهما  للولوج الى  الخبر وهو ما يتيحه  الاعلام الإلكتروني ومواقع التواصل الإجتماعي عبر السرعة في تلقي الخبر بأقل  تكلفة، أو مجانا في مجمل الأحو ، علاوة على ميزة التفاعل الحي في الحين، حينما يتحول القاريء  الى منتج ثاني للنص الأصلي عبر التعليق والرد، كما  هو الشأن في المدونات ومواقع التواصل الإجتماعي .

يرى بعض الدارسين لهذا الجيل الجديد من الإعلام بأنه سوف  ينتهي الى حالة صراع مستحكم ما بين الطرفين، أي ما بين الإعلام القديم ( المكتوب) وما بين الإعلام الإلكتروني وباقي الوسائط الأخرى، في حين يرى آخرون بأن هذه العلاقة لن تكون إلا جسرا للتواصل والتكامل بينهما، ولمن تتحول كيفما كانت الأحوال الى صيغة استحكام الصراع أو العداوة،  وأن هذه المرحلة  سوف تنتهي عبر مرور لحظة الإندهاش السريعة،  فحينما تم اختراع الراديو حدث نفس الشيء مع صيحات نهاية الصحف، ونفس الشيء  حينما تم اختراع التلفاز والتوقعات التي اعتقدت بأن الراديو والسينما  انتهى دورهما،وبنفس السيناريو  يتكرر  المشهد  حاليا  مع  الصحافة الإلكترونية ،ولو  في شروط تطرح  تحديات أخرى على  واجهة شراسة المنافسة،  إذ تحولت  سرعة  تلقي ونشر الخبر الى سلعة مطلوبة في زمن قياسي، فالصحافة التقليدية ورغم غلاء الأحبار والأوراق فإنها في اعتقادي سوف  تتعايش مع ميلاد الصحافة الإلكترونية، ولن تكون بديلا عنها مائة في المائة، وستعمل على ضمان سيرورتها الزمنية وإعادة حفر مساراتها  الجديدة، بعدما  أغارت عليها في مواقعها محدثة  دمارا هائلا في  بنيانها التقليدي ،وإن  كانت  غير قادرة على  إشهار ورقة  التحدي والمواجهة في زمن انحسار القراءة، خاصة وأن صنبور الإشهار والإعلان،  أصبح  يختار بالتدريج  الوجهة الجديدة ، نحو المواقع التي تستهدف أكبر عدد من المتابعة  عبر الكتابة والصوت والصورة وبتكاليف أقل مقابل  مردودية أكبر وأسرع، وهو ما يجعل الصحافة الإلكترونية تكسب رهان أحد أهم مقومات النمو والنجاح في المستقبل،والتحديات الكبرى التي  تضع فيها الصحافة التقليدية نفسها ، أو أحرى وضعت فيها ، إما لعدم القدرة على المنافسة والتصدي لحالة الردم  و الإغارة المتزايدة  الذي تتعرض له  مواقعها  باستمرار أمام تراجع نسبة المقروئية، لكن هذا الطوفان الجديد للإعلام البديل لن يتأتى حسب (ألبرت مايكل) أحد واضعي نظريات(الإعلام البديل) في الولايات المتحدة، إلا إذا كان عملا مهيكلا ومناهضا للمؤسسية وليس مجرد محتوى فقط، لتفادي التدرج الهرمي في العمل، والذي بإمكانه استثمار القدرات البشرية واستغلال الطاقات المتاحة  بأكبر قدر ممكن من هوامش الحرية والمسؤولية .

 لقد أصبحت الصحافة الإلكترونية تشكل سلطة فاعلة في المجتمع، بإمكانها التأثير على مجريات الأحداث والرأي العام المجتمعي والعالمي، وهي السلطة التي تتعزز أكثر عبر استخدام تقنيات ووسائط رقمية جد متطورة وعابرة للحدود، وكقيمة مضافة الى الصحافة التقليدية، التي تنعت بالسلطة الرابعة،  وهو ما يجعل  الصحافي المشتغل في هذا الحقل ملزما بمراعاة شرط الموضوعية والإقتراب أكثر فأكثر الى شط الحقيقة بأكبر قدر من الوجاهة والمنطق، بعيدا عن  عقلية (القطيع ) ومنطق (الإتباعية) كمن ينظر الى الحدث من أنبوب  ضيق، أو كحالة العميان الذين جيء بهم للتعرف على  جسد الفيل، حينما  تحسس الأول خرطوم الفيل فقال: بأنه خرطوم لإطفاء الحريق، وذهب الثاني حينما لمس أذن الفيل بأنه مروحة كبيرة، وحدس الثالث وهو يلمس رجل الفيل قائلا : بأنها سارية  ضخمة، وخلص الرابع حينما شد على  ذيل الفيل  معتقدا بأن طرادة مياه ،وذهب الباقي كل حسب اعتقاده وحدسه، ولم يكتشف أحدا منهم بأن الأمر يتعلق  بجسد الفيل وبقيت الحقيقة  غائبة ، وهكذا  تغيب المصداقية  والموضوعية حينما نكتفي بالنظر الى  الأحداث من زاوية واحدة ووحيدة،غافلين أو جاهلين لأبعاد أخرى بها  يكتمل الخبر وتنتصب  بها هامة الصحافة وسر مصداقيتها  واستمرارها .



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك