الرئيسية | رأي من زاوية أخرى | سنة 2018 والحبل على الجرار

سنة 2018 والحبل على الجرار

بواسطة
سنة 2018 والحبل على الجرار حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

لقد احتفل الناس بالسنة الجديدة كل على طريقته: ضوضاء فوضى وعنف واعتقالات وحوادث سير مميتة لكن كذلك هناك فرحة عارمة باختلاق لحظة للتلاقي والحب والإنسانية.. الاحتفال يجمع كل التناقضات ويجرف معه كل الاحاسيس وتتصارع فيه قوى السوء مع قوى الخير، كل ذلك لأن الانسان في نهاية المطاف كائن ضعيف قلق متوتر يخاف من الآتي عندما لا يكون مستعدا للمواجهة من أجل الحق في الوجود بمعانيه الفلسفية والثقافية العميقة.

كل شيء مرّ وانتهى وعاد الانسان إلى الواقع ليجابه من جديد عالم متوتر ومتقلب وحبلى بالمفاجئات غير السارة التي تؤكد الأحداث أن الأمور لا تسير نحو الأحسن إلا بقدرما يجب أن يبقى الانسان متشبثا بالأمل مهما كانت الظروف المعاكسة.

ففي المغرب الذي يهمنا في هذا المقال، فقد دخلت حالته السياسية في نوع من الاحتقان المستديم بدون أفق ، وكل شيء فيه يشي بأن سنة 2018 ستشهد تعمق الأزمة أكثر ليس في المجال الاقتصادي فحسب بل تطال حقولا حساسة من بينها حقل الثقة التي انعدمت في محيط المؤسسات والهيئات والأفراد ، والخطير في الأمر أن هذه الأزمة لم تعد منحصرة المجال العلائقي بل امتدت وتعمقت في داخل كل كيان ومست الأفراد كذلك الذين أصبحوا عاجزين أكثر من أي وقت مضى، عجز عن اكتشاف قواهم الخاصة وطاقاتهم الكامنة من أجل التقدم إلى الأمام كما أكد الفيلسوف الهولندي سبينوزا الذي تعيش معنا أفكاره القيمة، على ذلك بتنا نعيش على إيقاع انتظار الفواجع ليخرج الشعب للصراخ والتنديد، وهي ظاهرة يجب الالتفات إليها بدقة لمعرفة مميزاتها وخصوصياتها، فلم تعد النقابات والأحزاب والجمعيات هي سيدة الشارع وهي القادرة على تحريكه بل ظهر عامل جديد غير متوقع وغير محتمل وهي الفواجع ذات الطابع الإنساني، ليتحول كل شيء إلى المطالبة بلقمة العيش ، لأننا فعلا دخلنا في منحدر خطير لتفقير الشعب لصالح زمرة من المحتكرين لكل مقدرات المغرب الذي أصبح ماكينة لطحن الكادحين.

فمن حركة 20 فبراير التي انطلقت كتأثير وتأثر من محيط إقليمي نهض فيه الشعب من أجل امتلاك ناصية السلطة لحل مشاكله الاجتماعية والسياسية الكبرى إلى مسلسل جديد للانتفاضات الشعبية المتمحورة حول مطالب اجتماعية مباشرة دون طرح القضايا السياسية المباشرة، فيمكن بسهولة بأن الأمر يتعلق بسيرورة نضالية فيها تقدم وفيها تراجع ، تلك السيرورة القادمة من نظرية إيمانويل كانط الذي عنى بها نوع من الانتقال من حال إلى حال آخر لكن دون أفق وهو ما هاجمه هيكل بكونه يعيش في مغالطات العقل النظري ولم يدرك مفهوم التركيب الدياليكتيكي، لكن والحقيقة تقال ، أن الأمر يتعلق بقطائع وانزلاقات وتشويش كبير عن اللحظة الثورية التي لا يمكن أن تتحقق دون قيادة يسارية بالمعنى التعددي ، علما أن هذا اليسار المغربي هو قطاع واسع يتعدى التنظيميات إلى الفكر الذي يحمله الأفراد والمثقفين والمتعلمين ، واليسار المغربي سواء كتنظيمات أو فعاليات هو ملك للشعب الكادح عليه أن يتشبث به لا أن يتمرد عليه لأنه آخر ما تبقى له من أجل يعيش لحظة تحققه الإنساني الكريم.

لماذا نقول هذا الكلام ؟ لأننا نعيش في لحظة التضخم الهائل في سوق المفاهيم ، والأزمات تدار بالمصطلحات لأن كل شيء يعود إلى المفهوم ، لقد دخلنا عصر البلوكاج في المعنى حيث اختلاط اللحظة السياسية مع رواج كبير للفكر الديني، وطالما لم نضع الدين في مكانه الحقيقي خارج دائرة التحليل السياسي فإننا سنظل نتخبط خبط عشواء والمستفيد الأكبر من المرحلة سيكون من يتحكم في تلابيب هذا الدين نفسه، والدولة ، بطبيعة الحال، هي المستثمر الأكبر ، بعد الإسلاميين ، في هذا المجال، لعل الجميع يتابع كيف تستعمل الدولة الحراكات الاجتماعية من أجل تطهير نفسها بنفسها أو على الأقل التمظهر بأنها لا تتسامح مع من تهاون من حاشيته في تدبير الأزمات التي تشتعل هنا وهناك، وسيواصل بلا شك هذا المسار طالما أن الحراكات لا تطرح مسألة السلطة السياسية بالمعنى الواسع، وهنا يمكن دور ذلك اليسار الذي عليه أن يتحرك بقوة من أجل صناعة التغيير وليس انتظار انفجار المآسي التي يلتقطها الظلاميون من أجل تسويق أنفسهم وكأنهم قادة الشارع .. والأمر في نهاية المطاف ليس إلا هراء سياسي.

الأزمات التي يمر بها المغرب تتطلب تدخل المثقفين من أجل انتاج المفاهيم والخروج من زاوية الحصار الذي فرض عليه لدرجة أن البعض منهم تعرض لما يشبه الفورمتاج بسبب صدمة الوعي بضرورة الاستسلام ، على هؤلاء أن يفهموا أنهم جزء من هذا الواقع الرديئ وإن حاولوا التحصن في أبراجهم العاجية .. إنكم لستم أنبياء فالكل مسؤول وعلى الجميع أن يتحمل مسؤوليته من أجل تغيير مسار انحداري كل شيء فيه نازل على حبل الجرار. 

أبو علي 



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك