الرئيسية | السياسة | عندما تصبح سياسة الدولة مسرحية تراجيدية

عندما تصبح سياسة الدولة مسرحية تراجيدية

بواسطة
عندما تصبح سياسة الدولة مسرحية تراجيدية حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

في إطار هذا الخواء الشامل والتفكك السياسي والقيمي والثقافي المعمم في المجتمع لم يبق أمام السلطة غير انتهاج سياسة مَسْرَحة الأحداث والقضايا بالأساطير والحكايات والقصص وتمريرها عبر الاعتقال والقهر والاستعباد بالأغلبية الثقافتية والسياسيوية من جهة وعبر إدارة العنف وتقنينه من جهة ثانية،أليس من الواجب علينا جميعا أن نكشف للرأي العام محاولات تهميش المطالب الرئيسية التي طالب بها الحراك الشعبي السلمي بالريف"الشعب يريد"وحلولها وأن نبين ما تريد السلطة  إخفاءه ومن ثم نكشف هذه المَسْرحية الخبيثة التي جعلت المجتمع يدور حول نفسه دورة كاملة في كل مرّة ليعود أدراجه إلى نقطة البداية

في هذا السياق المأزوم ومن أجل حماية أعداء الشعب والمتآمرين عليه تكثفت حملات الاعتقالات العشوائيبة والحروب النفسية التي أصبحت حرفة سياسية تمتهنها السلطة منذ انطلاق انتفاضة الحراك بالريف فقد حل موضوع الإرهاب وشكّل العصا السحرية التي تستنجد بها كلما كانت غير قادرة على الدفاع عن سياساتها في التنمية وتلبية ما يريده شعب الريف ولتحقيق التنويم لهذا الشعب الذي لم يكف عن الاحتجاج والمطالبة بحقوقه في التنمية والعدالة الاجتماعية والتشغيل تلتجئ السلطة في المغرب لمواجهة هذا الحراك إلى أعقد المسائل وأكثرها غموضا والتباسا وتنتقي لها أجود المفاهيم وأعذب العبارات مثل الدفاع عن المسار الديمقراطي والشرعية المؤسساتية ومحاربة الإرهاب والفساد الملائمة لإخفاء الحقائق وتحويلها إلى ثقب الأوزون دون معرفة أسبابها ومن غير الممكن ملامستها أو الإمساك بها أو معرفة كيفية مواجهتها، فلقد أبدعت الدولة المغربية في تحويل مسارات انتفاضة شعب الريف وحرمان شبابه من تحقيق أهدافه واستخدمت في ذلك مختلف الوسائل الظاهرة منها والخفية ومن خلال مختلف الوسائط  (les médiations)  وخاصة عبر وسائل الإعلام  ولغة  الخطاب أو الألفاظ المنتقاة التي حجبت الرؤية الصافية والدقيقة للأحداث فأصبح الواقع أو يكاد يتشكل وفق هذه اللعبة السيميائية ويُرتهن للغتها في بعدها الدعائي والتعبوي التي يتم إسقاطها على الواقع من أجل تحويل مساراته والتحكم فيه فكانت اللغة المستخدمة أبرز مسلك تنويمي راهنت عليه الدولة لتنتج من خلاله تمثلات وحقائق جديدة ولبعثرة كل الأوراق لتتمكن من تعزيز سيطرتها وغلبتها وضمان شرعيتها" التي فقدتها منذ أن أخلت بوعودها.

لقد جمعت الدولة المغربية كل أشكال القوة والإكراه و التزييف من أجل تحقيق الغلبة والسيطرة سواء بـالقوة القاسية القمع و الاعتقالات أو بـالقوة الناعمة وأوكلت جزءا من قوتها إلى شبكات الفساد وبعض (وكلاء) الشعب المنتخبين في مختلف المواقع والمؤسسات ولكل من يجيد التلاعب بأذهان الناس ومصائره فليس غريبا أن نرى كيف أن شبكات الفساد والإفساد قد تحولت إلى هياكل مؤسساتية وتعاظمت ومدت أياديها إلى مختلف مفاصل مقامات الدولة وسيادتها من أجل إضعافهما لذلك بدأت خيبات الأمل لدى شعب الريف في إمكانية ضبطها أو الحد من جبروتها وهذا التفاقم في حالات اليأس ضاعف بدوره حالات الإحباط الشعبي لصالح تنامي ثقافة الاحتجاج فتحول المشهد المجتمعي إلى مزيج من الفوضى المعممة والإذلال ( المادي والمعنوي)،لقد أصبحت السلطة  في المغرب من أكثر المسائل إبهاما منذ أن عادت إلى اعتماد آليات المحاكمات الصورية  فتوزعت أو نسبت إلى منفذيها حسب الولاء والقرابة الاجتماعية والسياسية وليس حسب الكفاءة والفعالية لذلك من المحصلة أن تكثر في السلطة القضائية الانحرافات دون أن تتم المحاسبة طالما أنها عينت بمنطق الهرمية الولائية والمحسوبية.

إنّ ارتهان الدولة المغربية في سياساتها إلى هذه المسرحية التراجيدية غشت عن الرأي العام المغربي الرؤية وجعلت المشاكل عنده تختلط لأن الفاعلين فيها عديدين وهم في تعددهم متنافسون ومتعاونون لذلك فقَدتْ الدولة سيادتها وكل نعوتها وفاعليتها في إدارة البلاد فالعمى السياسي لدى من يتقلدون السلطة تجلى أولا في انعدام التمييز بين تحقيق مصالحهم الذاتية وبين مواجهة عمليات التدمير المتزايد لمؤسسات الدولة في ظل غياب إستراتيجية وطنية في وضع برامجها وتجنب عشوائيته  فالمهمة الملحة اليوم تتمثل في التخلص من هذه الانهيارات لمؤسسات الدولة وغياب دورها في إدارة الشأن العام وإذا لم تتمكن مؤسسات المجتمع المدني والمعارضة الوطنية من أن تحد من سياسة التفكيك والتفويت فيها فإن التهميش والإقصاء بمختلف أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية  سوف يزداد ويتسع أكثر ويجب أن يركز الفاعلون على الدفاع عن مقام مؤسسات الدولة ووظيفتها في المجتمع وأن ينطلق التغيير من المفاهيم والعناوين كما يشمل الأساليب والمعايير حتى لا تبقى انتفاضة شعب الريف "الشعب يريد" مجرد ثورة للآلات الصمّاء دون أن تغيّر ظروف المعركة وتقبل الهزيمة. 

أبو صامد شفيشو/الشاون



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك