الرئيسية | رأي من زاوية أخرى | صراع الديكة ( الدجاح)

صراع الديكة ( الدجاح)

بواسطة
صراع الديكة ( الدجاح) حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

كل الشعوب عندما لا تكتسب نصيبا من التفكير العقلاني والتحليل العلمي تعوضها بالغريزة قد تتخذ أبعادا عنيفة بعض الأحيان أو ما يسميه السوسيولوجي الفرنسي الراحل بيير بورديو ب libido virtitus  أي ليبيدو الفضيلة. أو كما يقول المثل " إن النفاق هو تشريف تعيده الرذيلة إلى الفضيلة "

وقد عشنا خلال العشر سنوات الماضية انتشار واسع لظاهرة الشعبوية بالمغرب وكان يطغى عليها الطابع اليميني وغير التقدمي في غالب الأحيان فمن بنكيران مرورا بشباط ثم إلياس العماري وآخرون حفل بهم المشهد الإعلامي وكانت تسوق خطاباتهم من طرف بعض الإعلاميين ولا سيما العاملين في الاعلام الالكتروني من أجل تحويلهم إلى مادة دسمة لترويج بضاعتهم والبحث عن أسواق تدر الأرباح عليهم ، وقد أفلح عدد من هؤلاء الإعلاميين في جلب الأنظار فهناك من استبدل بسرعة ظهر الحمار بالكراسي الوثيرة للسيارات الفخمة التي اقتنوها دون استحياء أن يجابهوا يوما بسؤال من أين لكم هذا يا أيها الناس..

فما كان للخطاب الفظ والرخيص أن يجد مكانه في سوق التداول لو كان الشعب واعيا ومتقدما في تصوراته، غير أن هؤلاء بعد إدراكهم بمستوى هذا الشعب المسكين ظلوا يرفعون شعار مفضل لديهم " الله يعم الجهل ويستديم " حتى تدوم المنن عليهم في أجواء اختلاط الحابل بالنابل والخير بالشر والرذيلة بالفضيلة والأخلاق السياسية بالممارسة المنحطة ، لقد انطلت على الناس سموم ذلك الثعبان البحري الذي يعبر القارات في زمن الكوننة الذي حول العالم كله إلى قرية صغيرة تدار من طرف الشركات التجارية الكبرى التي تحسن استعمال وسائل الاتصال الحديثة لتدمير الشعوب والأوطان والقيم.

فعندما تطل علينا قنوات عربية أغلبها ذات نفحة داعشية وتروج لبرامج من قبيل الاتجاه المعاكس والرأي والرأي الآخر ووجها لوجه وما إلى ذلك من مشاهد لنشر العنف، فالحوار على هذه القنوات تقدمه في صورة خوض الحرب بين المتحاورين حتى الموت على شاكلة صراع الديكة، سواء كان موت رمزي أو مادي.

فالشعبوية التي ضربت المغرب في السنين الأخيرة كانت ظاهريا تعبير عن الاستياء الأكبر الذي استغله الشعوبيين لنشر الخوف والذعر ، ألم يقل بنكريان أنه لولا حزبه خلال الربيع المغربي لذهب المغرب في ستين داهية ، ألم يكرر شباط معزوفة مملة حول دور حزبه في الحفاظ على وجود الملكية وألم يردد مرارا إلياس العماري أنه لولا البام لاكتسحت الأصولية ، جميع توقعات هؤلاء كذبتها الأحداث الموالية ولم يصب ولو واحد منهم جزء من الحقيقة ، لأن الشعوبيين هو أكثر الناس خوفا وذعرا لكن يسوقون أنفسهم كشجعان على صورة مناقضة لحقيقتهم ، وهؤلاء ليس لهم أفكار وتصورات بل شيء من البوليميك وكلمات مكرورة متداولة بين الناس يروجونها وسط العامة بخطاب وفق منجية بضاعتكم ردت إليكم فيحدث الإغواء لما يجدوا ذواتهم تتحقق في أعين زعيمهم المفضل ، القاتل لخصومه لكنه سينتهي حتما مقتولا سياسيا.

فالشعبوية ليست لها أخلاق سياسية وهي أصلا لا تحتاج إلى مجهود لأنها مسجلة في الطبيعة الإنسانية ، كما تنتفي الحدود بين الشعوبيين وكلهم يتقسمون فكرة أن الشعب واحد بمعنى اغتيال العقل والاختلاف والتعدد قد تصل إلى حد تخوين من يخرج عن الإجماع المقدس. وقد انتقلت عدواها إلى الريف فأصبح البعض يدمج كلمات فارغة المعنى إلا في مخيلته الصغيرة من قبيل الحراك المقدس والمبارك والشريف وما إلى ذلك من شعارات هي امتداد لنفحة هذه الشعوبية القاتلة التي يعيد الناس إنتاجها بدون وعي منهم.

والشعوبيين فيهم الخدم الذين يتظاهرون بالتفاني في خدمة الحشم هؤلاء بدروهم  يقاتلون من أجلهم في السراء والضراء ، هم يتظاهرون بأنهم في خدمة مملكة الفضيلة والتنزه عن الرذيلة والتفاني في الذود عن المصحة العامة على شاكلة الجمهورية المثالية لميكيافيلي، لكنهم في الواقع ليسوا إلا تجار في السياسة يغدقون على أنفسهم ولا ينسون محيطهم القريب، وهي حيلة لا تنطلي على الشعب فقط بل حتى الدولة نفسها التي تفتح أمامهم سبلا للاثراء الفاحش مقابل إسكات الرعية وعدم انشغالها بسؤال السلطة والديمقراطية ، فينتقون من وسطهم عينة ليوكل لها هذا الدور دون أن يسمح لها بالاندماج في الاريسطقراطية الوراثية التي لها وحدها القيادة، لذلك لا غرابة أن تجد هؤلاء الشعوبيين يتساقطون الواحد تلو الآخر بشعار"  باش قتلتي تموت "..ولم يقتل بالمناسبة إلا " بالنفاق الورع".

لذلك لا ينصح باتباع أهواء الغريزة لأنه لا يمكن أن نكذب تعريف أريسطو بأن الانسان كائن عاقل تمييزا له عن الحيوان، بنفس المنطق لا يمكن تكذيب مفهوم هيكل عن الدولة كجهاز بيروقراطي ترعاه أريسطوقراطية وراثية، حتى لا نكون ضحية شيطان مدرسة ماكسويل§.

وهل هناك في المغرب بعد هذا النزوع الغرائزي الفظّ، إمكانية ما لانبثاق حقول جديدة لممارسة سياسية مغايرة ؟

أبو علي 


§   الصورة التي استخدمها العالم الفزيائي ماكسويل الذي تخيل أن هناك شيطان يقف بين الجزئيات السريعة الساخنة والبطيئة الاقل حرارة فيقوم بفرزها في وعائين حتى يحافظ على النظام، تشبيها لذلك بما يحدث في قيادات الدولة التي تشتغل حسب نظام تعليمي يسمح بالتمييز بين الحائزين على رأسمال ثقافي مكتسب من العائلة المحافظة وبين المعدمين حتى ولو حصلوا على دبلومات عليا، فلن يتيسر أمامهم الانتقال إلى الصفوة المخزنية وغالبا ما يتم إخفاء هذا التمييز الطبقي باحتفالات تسليم الشواهد للعامة من الناس في مشاهد أشبه "بتدريع الفارس"..     



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك