الرئيسية | أراء | مشاهد إعمال العقل فى دحر التطرف والإرهاب

مشاهد إعمال العقل فى دحر التطرف والإرهاب

بواسطة
مشاهد إعمال العقل فى دحر التطرف والإرهاب حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

مشهد 1

بعد عشر سنوات دموية فى الجزائر جاء الرئيس بوتفليقة فوجد وضعا مأساويا لا يحسد عليه أحد، فقد خلفت هذه العشرية الدموية قرابة 170 ألف قتيل وجريح على الأقل.

قرر أنه لابد من حل خارج السياقات المعتادة وخارج الصندوق، كانت تجربة مبادرة الجماعة الإسلامية وقتها فى الدول العربية ملء السمع والبصر وكان الجنرال أحمد رأفت معروفا فى العالم العربى والغربى كله لأنه نجح فى المبادرة دون أن يزهق أرواحا أو يريق دماء.

استلهم الرئيس بوتفليقة فكرة المبادرة المصرية ولكن بإمكانيات رئيس جمهورية وليس جنرالا فى الداخلية، فأصدر قانون الوئام المدنى الذى ينص على أن «كل مسلح يسلم نفسه وينزل من الجبال طواعية بسلاحه ولم يرتكب جريمة قتل فإنه سيحصل على عفو».

بمجرد صدور القانون تدفق آلاف المسلحين من الجبال وسلموا أنفسهم فى عدة أشهر، وصدقهم بوتفليقة وأجهزته السيادية الوعد وأطلقوا سراحهم بعد التحقق دون تعذيب من صدق كلماتهم.

لم يجد باقى المسلحين فى الجبال والكهوف والمنخرطين تنظيميا فى أعمال العنف بدا من تسليم أنفسهم، فحكم عليهم بأحكام مخففة وانتهت الأزمة التى ضيعت دماء واقتصاد ووحدة الجزائر وأمنها وسلامها عشر سنوات كاملة.

مشهد 2

حينما حدث الصدام بين الرئيس عبدالناصر والإخوان فى الخمسينيات وحدث الطلاق البائن بينهما بعد زواج ووفاق قصير العمر، لم يضع ناصر الإخوان جميعا فى سلة واحدة، أو يحاسبهم جميعا بخطأ واحد، ولكنه استطاع أن يستقطب جناحا كبيرا وقويا إلى صفه على رأسهم الشيوخ الباقورى، والغزالى، وسيد سابق، وعبدالعزيز كامل وغيرهم، واستطاع هؤلاء تحييد مئات وإنقاذهم من محنة هذا الصدام ومن عنف السجون وعذاباتها، واستطاع ناصر استقطاب عبدالرحمن السندى رئيس النظام الخاص وأحمد عادل كمال وغيرهما من كبار قادتهم، بل إن د/عبدالعزيز كامل كان قد حكم عليه بالإعدام فألغى الحكم عليه ثم عينه بعد ذلك وزيرا للأوقاف فى سابقة فريدة.

ترى لو كان عبدالناصر وضع الإخوان جميعا فى سلة واحدة هل كان ذلك هو الأصوب؟! دون أن يحيد الجناح المعتدل فيهم وهو عادة الأكثر، إن أحسنت استقطابه وتقريبه.

وفى المقابل كان الإخوان من الذكاء بحيث إنهم بعد عامين من الصدام العنيف مع نظام ناصر، حدث العدوان الثلاثى على مصر فوقف أكثر الإخوان فى السجون إلى جوار عبدالناصر رغم خلافهم السياسى معه ووقع الإخوان المعتقلون فى سجن الواحات ورقة للتطوع للقتال فى القناة ضد العدوان الثلاثى.

وقابل عبد الناصر ذلك الموقف بالإفراج عن مئات الإخوان عقب الانتصار السياسى الذى حققته مصر وقتها، وبذلك استفاد الفريقان وقبلهما استفاد الوطن.

مشهد 3

أعلنت الجماعة الإسلامية فى أواخر التسعينيات من القرن الماضى بيانا تعلن فيه وقف عملياتها من جانب واحد دون قيد أو شرط وكذلك كل البيانات المحرضة على العنف.

لم يتشجع لذلك أحد وقتها سوى اللواء/ أحمد رأفت الذى كان صغير الرتبة مقارنة بأقرانه وقتها، ولكنه كان عبقريا متفردا ووطنيا من الطراز الأول يفوق العشرات ممن هم أعلى منه رتبة.

أدرك الرجل صدق البيان وظل يعمل مع قادة الجامعة بعد عودته من ألمانيا كقنصل لمدة خمس سنوات استطاع فيها مع قادة الجماعة أن يسلم الجناح العسكرى نفسه له دون قيد أو شرط ودون وعود مسبقة فى سابقة نادرة، لعلة بسيطة أنه لم يكن غادرا من جهة أو انتهازيا أو ناظرا تحت قدميه فلم يغدر بهم أو يعذبهم أو يهينهم، فأعطوه كل المعلومات طواعية لأنها ببساطة أصبحت تاريخا.

أجرى تعديلا فكريا عبر قادة الجماعة عبر أكثر من 500 محاضرة فى السجون، أوقف التصفيات الجسدية وحده وكل الإهانات والتعذيب فى السجون ومقار الأمن التى حولها فى سابقة فريدة لرعاية شئون المعتقلين الخارجين من السجون.

زار أكثر من ألف معتقل منازلهم بينهم محكوم عليهم بالإعدام كانوا يتركون وحدهم فى البيت دون حراسة لعدة ساعات، لم يفكر أحدهم فى الهرب، عاد الجميع إلى السجون.زار أكثر من ألف معتقل منازلهم بينهم محكوم عليهم بالإعدام كانوا يتركون وحدهم فى البيت دون حراسة لعدة ساعات، لم يفكر أحدهم فى الهرب، عاد الجميع إلى السجون.

لم يثبت أن واحدا من الآلاف الذين خرجوا ارتكب عنفا فى مصر، أعداد قليلة تطرفت فكريا بعد الثورة تعد على الأصابع من عدة آلاف.

عاد آلاف الهاربين طواعية من الخارج لعلة بسيطة أنه وعدهم بالمعاملة الكريمة. وأنه لا تعذيب وأن من عليه حكم سيقضيه دون إهانة، ومن ليس عليه شىء سيخرج.

ليس بالقوة والعضلات وحدها تستطيع محاربة الإرهاب واقتلاع التطرف، لكن بالعقل والحكمة والفكر.

كل ذلك عمله رجل واحد مع فريق متميز وشريف من ضباطه دون مساندة حقيقة من أى وزارة فى الدولة لا الثقافة ولا القوى العاملة، استغل الرجل إمكانياته الذاتية فى التوسط لبعض من خرجوا فى العمل فى بعض وظائف القطاع الخاص التى يعرف هو وضباطه أصحابها، حل محل الوزارات كلها لأنه نوى خيرا بفكر سديد.

استخدم من قبل العضلات والقوة فلم تفلح وحدها، قال لى يوما: عندما اغتيل استاذى اللواء/رءوف خيرت وحملته بيدى أدركت أن طريق الحل لن يكون أمنيا أو قتاليا، الحل أكبر من ذلك وأشمل وأوسع، وهذا ما تعلمناه سويا من تجربة المبادرة، التجربة علمت الطرفين معا كيف يصنع السلام من الألف إلى الياء، مات الجنرال أحمد حزينا بعد أن رأى جحود الحكومة لجهوده وغمطها له.

مشهد 4

كان نظام مبارك يحرص على عدم القبض على مرشد الإخوان، ليس حبا فيه بالطبع، ولكن لأن بقاءه خارج السجون سيحول بين انجراف شباب الإخوان للعنف وأنه سيمنعهم من تكرار تجربة النظام الخاص فى الأربعينيات، لأن الأجيال القديمة كلها تعرف خطورة العنف على الجماعة والدولة.

قبض منذ سنوات على المرشدين الحالى والسابق,كان كل منهما بلغ من الكبر عتيا، المرشد السابق عاكف جاوز 84 عاما حينما قبض عليه، لم يكن له دور فى كل الأحداث التى تلت ثورتى 25 يناير، 30يونيه، كان مريضا بشدة يتحمل سجنا ولا حكما بالمؤبد، متى سيقضى المؤبد من عمره.

المرشد الحالى جاوز السبعين بكثير، الحكم عليه بأكثر من 550 عاما رسالة سياسية وقضائية خاطئة، فعمره وأعمار أحفاده جميعا لا تتسع لنصف قرن، والأدهى من ذلك مع نصف القرن حكم عليه بإعدامين، ترى أيهما سيقضى أولا، وكذلك د/مرسى لم يكن هناك داع للحكم بإعدامه.

كل هذه الرسائل يعتبرها بعض المتبحرين فى جماعات الإسلام السياسى رسائل سلبية، قد تكون من أسباب يأس شباب الإخوان واندفاع بعضهم إلى العنف وتكوينهم لمنظمات تحمل السلاح وتنتهج الإرهاب مثل «لواء الثورة وحسم» وغيرهما.

الحكمة تقول: لابد أن تجعل أملا لخصومك الذين لا يحملون السلاح حتى لا ييأسوا ويموتوا فى مواجهتك.

هناك شعرة دائما بينك وبين خصومك، حتى فى حالة الحرب ينبغى عليك ألا تقطعها، هى شعرة معاوية التى سميت باسمه من فرط دهائه، سنوات قليلة كانت تكفى، تؤلم الآخرين ولا تذبحهم، تجعلهم يسعون لحل المشكلة بدلا من اليأس والانتحار والتصعيد إلى ما لا نهاية.

محاربة التطرف أو الإرهاب علم وفقه وسياسة وتواصل وحوار وتحييد للبعض ومواجهة لآخرين، فضلا عن القوة والسلاح فى مواجهة من يحملون السلاح فلا يصلح مع السلاح إلا السلاح، أما الباقون فالسلاح لا يصلح أبدا لمواجهتهم، فقضية التطرف والإرهاب جزء من أصلها وأساس سياسى فكرى اجتماعى تعليمى دينى وإنسانى. 

 د. ناجح إبراهيم



التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك