الرئيسية | السياسة | ما تبقى من ثورات الربيع العربي

ما تبقى من ثورات الربيع العربي

بواسطة
ما تبقى من ثورات الربيع العربي حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

بقلم عبد السلام الهيموت

قبل الحديث عما تبقى من ثوراث الربيع العربي وعن مسبِّباته وعن مآلاته وعن سياقاته الإقليمية والدولية لابد أن نتحدث في البداية أن ما عُرف بالربيع العربي شَكَّل لأول مرة موجةً ثورية شهدتها المنطقة والتي خرجت فيها الشعوب العربية لتُسقط ثلاثة رؤوس استبدادية ولتصدح عاليا بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية بقيادة شبابية معظمها من مؤسسات المجتمع المدني المتشبعة بقيم العصر من ديمقراطية وحقوق الإنسان والمؤمنة بمشاركة المرأة والمتطلعة لمجتمع العلم والمعرفة ،وبعيدا عن منطق المؤامرة فإنه تأكد أن هذه الموجة صناعة محلية توجت عقودا من النضال والتضحيات وصراعا مريرا مع قوى الاستبداد التي خوفا على عروشها تحالفت باكرا مع الإمبريالية والصهيونية لدعمها وبقائها على كرسي السلطة .

1.   الشروط الموضوعية لتوراث الربيع العربي 

كان للصفعة التي تلقاها "البوعزيزي" في مدينة سيدي بوزيد بتونس مهد ثوراث الربيع العربي بدايةَ الانفجار الهائل في المنطقة العربية ،وقد شبه البعض حادثة "البوعزيزي" بمثابة الشرارة التي أوقدت النار في غرفة مشبعة بالغاز القابل للاشتعال في أية لحظة ،ويمكن تلخيص السمات العامة التي عرفتها المنطقة العربية التي اشتعلت فيها تلك الثورات الربيع في :

الاستبداد السياسي الذي يحكم الشعوب العربية بالحديد والنار وبالاضطهاد والاستعباد وانتهاك حقوق الإنسان التي ظلت في البلدان العربية مجرد يافطة للاستهلاك الداخليالاستبداد السياسي الذي يحكم الشعوب العربية بالحديد والنار وبالاضطهاد والاستعباد وانتهاك حقوق الإنسان التي ظلت في البلدان العربية مجرد يافطة للاستهلاك الداخلي ولتسويق صورة وردية للخارج ،ارتفاع معدلات نِسب البطالة في صفوف الشباب الفئة الأكثر حيوية وإبداعا وإنتاجا وقد وصلت حدود 50% في مناطق الوسط والجنوب بتونس عشية اشتعال هذه الثورة ،احتكار الثروة والمقدرات الاقتصادية في يد حفنة من النخب الحاكمة ومن يدور في فلكها ،التدني المريع للخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة وسكن وشبكة الطرق والصرف الصحي ،تزوير الانتخابات وتنظيمها على مقاس السلطة والأحزاب التابعة لها ،غياب دولة الحق والقانون وعدم الفصل بين السلط التنفيذية والتشريعية والقضائية ،تحويل الإعلام إلى بوق رسمي للدعاية والإشادة والبهرجة لمنجزات السلطة ،النهب الممنهج لممتلكات المواطنين والسطو على أراضي الدولة وبيعها بأسعار خيالية،اعتماد سياسة اللاعقاب وعدم المحاسبة في حق المتورطين في الجرائم الاقتصادية والسياسية بل وتتم مكافأتهم على ما أجرموا في حق الشعب وفي حق الوطن ،في المقابل التنكيل بالمعارضة والزج بها في غياهب السجون في محاكمات صورية يُستخدم فيها القضاء لتصفية الحساب مع المعارضة ،التعذيب لهذه المعارضة بوسائل قد تفضي للموت وحرمان الأحياء منهم من أبسط الحقوق الدنيا التي تكفلها المواثيق والعهود الدولية،

وقد ساهمت الفضائيات وتقارير ويكيليكس ووسائل التواصل الاجتماعي إلى جانب الاستبداد والقمع والتفقير واحتكار الثروة وانتشار ظواهر الأمية والإجرام والهجرة والدعارة والبيع والشراء في الذمم خلال المواسم الانتخابية وإطلاق يد الرأسمالية الطفيلية والتبعية في الاستغلال المتوحش وسرقة الأراضي والتسريح التعسفي للعمال وتهريب الأموال للخارج في الانتشار الواسع للانتفاضات الشعبية التي عرفتها المنطقة .

وإذا كانت الجيوش العربية نزلت سابقا لسحق المتظاهرين في الشوارع العربية فإن الجيشين بتونس وبمصر تجاوبا مع مطالب التغيير إذ ساهما في حماية المتظاهرين وحماية مؤسسات الدولة والعمل على تنحية وإبعاد رئيسي هاتين الدولة عن السلطة ،وتجنب إراقة الدماء مع قائد الجيش المصري"حسين الطنطاوي" و"رشيد عمار" قائد الجيش التونسي دون أن ننسى عدم حماسة المجتمع الدولي في دعم الأنظمة التي طالما ساندها في العقود السابقة الشيء الذي سهل استمرار هذه الثوراث في المنطقة قبل أن تتعثر في المحطة السورية التي خرج شعبها سلميا وبنفس المطالب والتطلعات كباقي الشعوب العربية لِتُواجَه بالنار من طرف نظام "بشارالأسد" حيث تحولت سوريا لقضية دولية استقطبت جميع إرهابيي العالم من العديد من الجنسيات ،عقب ذلك ظهور حركة داعش التي ستستولي على مناطق شاسعة في العراق وسوريا

2.   الشروط الذاتية لتوراث الربيع العربي

إن أكبر العلامات البارزة في ظل الشرط الذاتي لانطلاق ثورات الربيع العربي هو تكسير هذه الشعوب لحاجز الخوف والاستعداد للتضحية ورفع السقف السياسي لهذه المطالب ،القدرة على استقطاب جميع الفئات الشعبية بخلفياتها اليسارية والإسلامية والقومية والهوياتية ،التخفف من الطابع الإيديولجي لهذه الثورات ،الاستثمار الذكي لوسائل التواصل الاجتماعي في التعبئة والتحريض وتبادل التجارب بعيدا عن عيون الرقابة والقمع ،الطابع الشبابي المتشبع بقيم المساواة والديمقراطية والعدالة والمعرفة،إشراك ومشاركة المرأة في تأطير وقيادة هاته الحراكات ، موازاة مع إرادة الشعوب في إسقاط الأنظمة رافقها التطلع إلى ديمقراطية بورجوازية ليبرالية ترتكز على سيادة الشعب وفصل السلط وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع وشرعة حقوق الإنسان والتوزيع العدل للثروة ،الإصرار على الطابع السلمي لهذه الثورات ،كُمون خطاب الإرهاب والكراهية بقيادة حركتي القاعدة وداعش وغيرهما خلاف على قوة على هذا الخطاب قبل وبعد خفوت هذه الثوراث.

3.   في أسباب فشل ثوراث الربيع العربي 

هل يعود فشل هذا الربيع هل لأنه الموجة الأولى التي عرفها المنطقة شأنها شأن المحاولة الأولى في الطيران ؟ هل يعود الفشل إلى كونها نصف ثورة أم ثورة غير مكتملة ؟ هل لأن هذه الثورة لم تكتمل لأنها لم تنصب المقاصل كما عملت الثورة الفرنسية وأنها لم تعمل بمقولة "فولتير" « اشنقوا آخر ملك بأمعاء أخر قسيس »؟ هل توفرت لثوراث الربيع العربي قيادة موحدة ؟ أليس ضعف القيادات هو ضعف القيادات اليسارية في مقابل قوة قيادات التيارات الإسلامية؟ هل يمكن أن تسبق الثورة السياسية الثورة الفكرية والثقافية وهذا هو واقع شعوبنا التي تغرق في الأمية والفقر المعرفي والضحالة الفكرية بل وسيادة الخرافة والجهل المقدس؟ هل يمكن لثوراث أن تنجح في مجتمعاث ينتصر فيها المواطن للطائفة والمذهب والعشيرة على الوطن والمواطنة؟

في سياق الأسئلة الحارقة التي تبحث لها عن أجوبة ألم تعد الرجعية والملكية حينا من الزمن في صيرورة الثورة الفرنسية ؟ ألم تعد الثورة الأمريكية ضد بريطانيا من أجل الاستقلال والثورة المدنية وثمثال الحرية إلى نظام استعماري أمبريالي يتدخل عسكريا ضد كل الشعوب التي تناضل من أجل التحرر وتقرير مصيرها الاقتصادي السياسي في كل دول العالم ؟ هل للمال الوهابي السعودي أثره الكبير في تحريف مسارات الربيع العربي هن أهدافه؟ هل ما حصل من الأصل ثورات لولا استجابة الجيشين المصري والتونسي ؟ هل هي مباركة مغرضة ما قام به الغرب الإمبريالي لتيارات الإسلام السياسي لقيادة الدول المخلوعة أنظمتها قصد إدخالها في دائرتها ما دامت هذه التيارات الإسلامية كانت تاريخيا ونشأة وبرامجا لا تشكل أي تناقض للمصالح السياسية والاقتصادية للغرب الأمبريالي ؟ هل الضعف اليساري والماركسي الذي تزامن مع انهيار المعسكر الشرقي وسيادة القطب الأمبريالي الأمريكي في عدم نجاح الربيع العربي؟ هل عودة الطائفية وصناعة داعش وسوق النخاسة للمرأة والعبودية بليبيا وتقديس الذبح والقتل للآخر المخالف ،وهجرة 14 مليون مهاجر ونازح من المنطقة العربي ،وتنعُّم الكيان الصهيوني لأول مرة في تاريخه بحرية الملاحة والاطمئنان من جوار عربي يتقاتل بعضه بعضا ؟

ربما كل هذه الحصيلة السلبية عملت فيها الأمبريالية والصهيونية والرجعية العربية لتجلد وعي الشعوب ولتجعل الشعوب تَحنُّ لما قبل ثوراث الربيع العربي ،قد يكون رهانا ولكن الشعوب رغم السقطات ورغم التعثراث ورغم الثوراث المضادة فإنها تكتنز من الطاقة ومن الإبداع ومن استخلاص الدروس ما يجعلها تنهض وتستنهض قواها من أجل مجتمع الكرامة والحرية والعدالة والمساواة ، إنها سنة الشعوب في الأرض





التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك