الرئيسية | أراء | هل استوعبت الدولة والنخب السياسية رسائل الحراك؟

هل استوعبت الدولة والنخب السياسية رسائل الحراك؟

بواسطة
هل استوعبت الدولة والنخب السياسية رسائل الحراك؟ حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

من خلال ما نراه الآن من مزايدات في ملف معتقلي الحراك، ومن تشويش مقصود علي المحاكمات الصورية التي يخضعون له، أو من خلال تصريحات بعض  أشباه المحامون الذين تدربوا في دهاليز الدولة المخزنية واستفادوا من ريعها، او بعض الصحفيين الذين  يقتاتون على فضلات مشغليهم من مختلف أقسام الاستخبارات الذين يجتهدون في تبخيس قضية معتقلي الحراك  والترويج لنظرية المؤامرة . ألا يمكن لنا ان نتساءل ان الدولة المخزنية قد صدقت فعلا انها انتصرت لمقاربتها الأمنية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية والسلمية التي كانت قد أغفلتها نسبيا لصالح المقاربة الأمنية القائمة  على مواجهة الارهاب الذي شكل هاجسا وموضوعا امنيا دوليا بامتياز، ولم يتبقى لها إلا استكمال بعض فصولها الأخيرة التي  أوكلت مهمة تصريفها لبعض أشباه المحامين والصحفيين ؟.

 وان لم يكن كذلك، فماذا استفادت الدولة المخزنية من دروس الحراك الشعبي بالريف ، وماذا استخلصت من نتائج وعبَر مما أنتجه الحراك من قيم و خطابات سياسية جديدة  ومن المشاركة الواسعة لمختلف شرائح أهلنا بالريف ؟ اللهم اذا ما استثنينا ما ورد من خطابات  في شأنه ولو بطريقة غير مباشرة لرئيس الدولة والتي تنتقد الأوضاع والاحزاب والمؤسسات وتحملها المسؤولية الأدبية في ما يعيشه المغرب من غليان اجتماعي وفشل في اختياراته التنموية دون أن ترقى هذه الخطابات ، مع الاسف، الى  مستوى وضع خارطة طريق لوضع أسس مصالحة حقيقية  بين الشعب ومؤسساته، ترتكز على تعاقدات اجتماعية وسياسية جديدة قوامها العفو الشامل، وإصلاحات دستورية عميقة لإنقاذ الوطن من المخاطر المتعددة  التي تتهدده، وتعمل بالمقابل على بناء جسور الثقة لمرحلة سياسية جديدة  قائمة على ربط المسؤولية بالمحاسبة و إعمال مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب... ؟

وإن سلمنا بما تعتقده الدولة المخزنية، ألا يحق لنا أن نعيد صياغة  السؤال على الشكل التالي: هل يمكن ان نعتبر أنّ الحراك الشعبي قد انتهى مع اعتقال قياداته الميدانية  واخضاعهم لمحاكمات صورية بعد وضعهم في أقفاص زجاجية لاستكمال ديكور المسرحية؟ .

ام ان الحراك ليس أشخاصا ذاتيين معتقلين من اجل مطالب مشروعة  في سجن عكاشة اوغيره من سجون الدولة المخزنية، رغم كل ما نكن لهم من احترام، ورغم اختلافاتنا معهم في طريقة تدبير الحراك. ولا هو أصحاب  تجارة التخوين التي يتقمصها  بعض جمهوريي  علامة الأربعين الذين لم يبخلوا جهدا في تخوين المناضلين اليساريين الدموقراطيين  المغاربة و خاصة الريفيين منهم سواء بالداخل او الخارج، والعمل الحثيث من  اجل الصاق تهم الانفصال بالحراك وقياداته من المعتقلين بالشكل الذي يتماهون فيه مع ما ورد من تهم في محاضر الاتهام…. بل على عكس اعتقاد هؤلاء جميعا فهي حركة ممتدة  في الزمان والمكان، حركة من أجل قضية أكبر تعانق الحرية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، حركة لكل الوطنيين الديمقراطيين، حركة تنشد الكرامة والديمقراطية لشعب عانى ولا يزال من كل أشكال الهشاشة والفساد السياسي والاقتصادي الذي تمارسه عليه النخبة الحاكمة منذ عقود من الزمن كانت آخر فصوله وفاة 18 امرأة  بعضهن حوامل  في تدافع المئات من الفقراء في أحد المداشر المغربية الذي يشكل، نموذجا وليس استثناء، لواقع الفقر الذي يتخبط فيه أغلب المغاربة وذلك من أجل قفة عيش لا تتجاوز قيمتها مائة درهم ، ولكنها تختزن مأساتنا المركبة التي تجمع بين الفقر والبركة والجهل وكل اشكال الفكر الخرافي التي يتسول على معاناة شعبنا. ومن نتائجه أيضا التفشي المهول للبطالة لدى الشباب والفئات العمرية النشيط،ة وانكماش اقتصادي خطير ينذر بأزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة، وهو ما يتجلى في تدني كل مؤشرات التنمية كما تقر بذلك المعاهد الدولية   المتخصصة،  واحتلال المغرب رتبا مخيفة في مؤشرات الرشوة .

  انه الوضع نفسه الذي أقر به رئيس الدولة مؤخرا في خطاب افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان، عندما أعلن بشكل صريح، وعلى رؤوس الأشهاد، عن فشل النموذج التنموي الذي تبناه المغرب  تفاعلا مع تقرير الخمسينية  الذي اطر مرحلة بأكملها  بدأت مع الالفية الثالثة.  هذا بالإضافة إلى ما اقر به من ضرورة لإعادة النظر في هيكلة الدولة وتفعيل دور الجهوية الموسعة في عملية التنمية والاهتمام بالشباب مع العمل على تأسيس مجلس أعلى لهم، وهي كلها مقترحات غير كافية رغم ما تتصف بها من اهمية. او بما تم اتخاذه من إجراءات العزل في حق بعض المسؤولين عن تعطيل مشروع منارة المتوسط ، والتي لا تخضع لمنطق القانون او لمبدأ المساءلة  والمحاسبة ، بقدر ما تخضع لمنطق الغضبة وعدم الرضا .

بالتالي فان توهمت النخب المتحكمة في صناعة القرار انها قد انهت الحراك بمقاربتها الأمنية وتدخلاتها العنيفة التي  جعلت المغرب يتصدر التقارير الدولية  والاممية للدول التي تمارس فيها انتهاكات حقوق الإنسان، هذا ناهيك عن ما أنتجته هذه المقاربة من ارتفاع لمنسوب الكراهية تجاه الدولة و مؤسساتها لدى فئات واسعة من الشعب المغربي بالداخل والخارج، ورفع من حدة الإحساس بفقدان الثقة في كل  العملية السياسية  وبهيئاتها الحزبية  أو المنتخبة التي يبدو أنها قد فقدت  قدرتها على الفعل والتأثير، ولم تعد قادرة على تجديد تصوراتها الفكرية والسياسية التي أشر الوضع الحالي عن فشلها كما فشلت المنظومة السياسية والتنموية برمتها، واصبحنا على ما نحن عليه من أوضاع هي قاب قوسين او أدنى  من الانفجار.

ولعل أخطر ما لم تدركه النخب السياسية المتحكمة في دوائر القرار، هو ان المجتمع  وخاصة فئاته الواسعة من الشباب المتضرر من الأوضاع الحالية، ماضية في إنتاج خطابها السياسي الذي حتى وإن بدا بسيطا الا انه يمتلك قوة نافذة في التواصل مع  فئات واسعة من الشباب ضحايا السياسات التعليمية الفاشلة  التي تمتلك وعيا سياسيا حسيا، ولم  يسبق لها ان تأطرت تنظيميا، وهو الخطاب الذي يغذيه لديها الإحساس المشترك بالإحباط واليأس  وانعدام الثقة  في الدولة والأحزاب والمثقفين، كما أنها وفي سياق بحثها عن ملاذات بديلة  من خارج النماذج السياسية الحالية التي فقدت مصداقيتها واي دور لها على التنظيم والتأطير، وفي غياب مقاربة شاملة للنخبة السياسية المتحكمة، تروم إلى خلق شروط مصالحة حقيقية من اجل إعادة الثقة في  العمل السياسي والمؤسساتي، فإن نسبة مهمة من هؤلاء الشباب يمكن أن تعانق عوالم التطرف، سواء بخلفيات دينية أصولية او بخلفيات عرقية  متعصبة. وبحكم خطابها الشعبوي البسيط وقدرتها السلسة على التواصل مع فئات واسعة من المجتمع المغربي غير المؤطر سياسيا وتنظيميا والفاقد للثقة في الدولة ومؤسساتها الحزبية والمنتخبة، فإنها ستشكل عاجلا ام اجلا- ان استمر الوضع علي ماهو عليه- قيادات بديلة  سهلة التوظيف من طرف من يشتغلون ضمن مخططات واستراتيجيات  زرع الفوضى الخلاقة، على غرار ما تعيشه الكثير من شعوب وبلدان العالم التي عانت من نفس الأوضاع الفاسدة  التي يعاني منها  المغرب والمغاربة حاليا . 

 فحذاري مما انتم عليه غافلون وبانتصاراتكم الامنية الوهمية منتشون.

23 نونبر 2017        

تدمري عبد الوهاب     





التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك