الرئيسية | السياسة | إسبانيا بين تجاذبات قوى اليمين المحافظ والتيارات القومية المحلية وقوى التغيير الديمقراطي(كاتالونيا نموذجا وليس استثناء)

إسبانيا بين تجاذبات قوى اليمين المحافظ والتيارات القومية المحلية وقوى التغيير الديمقراطي(كاتالونيا نموذجا وليس استثناء)

بواسطة
إسبانيا بين تجاذبات قوى اليمين المحافظ والتيارات القومية المحلية وقوى التغيير الديمقراطي(كاتالونيا نموذجا وليس استثناء) حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

1 / تقديم

 إن الأزمة السياسية التي تشهدها إسبانيا في هذه المرحلة لا يمكن اختزالها في العلاقة المتوترة بين الحكومة الكتالونية والحكومة المركزية الاسبانية فقط ، حتى وإن بدت ظاهريا كذلك. كما ان الأسباب التي أدت الى هذه الأزمة يمكن تلمس بوادرها في عدة أقاليم وجهات أخرى من التراب الإسباني، حتى وإن كانت بدرجات متفاوتة. وهو ما يتطلب من أجل حلها مقاربة مبنية على الحوار بين مختلف الفرقاء السياسيين والمجتمع المدني حول مختلف القضايا والتحديات التي تهم  الشعب الاسباني  ورغبته في التغيير و في إحقاق المزيد من الإصلاحات الديمقراطية في شكل الدولة وشكل نظام حكمه السياسي .كما لا يفوتنا القول ان بذور الأزمة الحالية وما تشهده من محاولات ارتدادية علي التجربة الديموقراطية تعود جذورها التاريخية إلى مرحلة ما قبل وبعد الدستور الانتقالي لسنة 1978 وما اتسمت به من مساحات فارغة أحسنت استغلالها التيارات اليمينية المحافظة سواء من داخل الدولة أو من داخل المجتمع السياسي.

 2 / قراءة في بعض السياقات التاريخية للأزمة السياسية الحالية.

 مما لاشك فيه أن التحولات السياسية التي شهدتها إسبانيا في سبعينات القرن الماضي شكلت في حينها قفزة نوعية في شكل نظام حكمها السياسي، انعكست إيجابا على مختلف نواحي الحياة لدى الشعب الاسباني بمختلف قومياته وأعراقه وثقافاته. تحولات انتقلت باسبانيا من دولة ترزح تحت وطأة نظام حكم فردي استبدادي، ارتكب وبشكل ممنهج فظاعات وانتهاكات جسيمة في حق الشعب الاسباني على امتداد عقود من الزمن ، إلى دولة ونظام حكم سياسي ملكي ديمقراطي. إلا أن هذا الانتقال إلى الديمقراطية في إسبانيا لم يكن سهلا أبدا، إذ شابته الكثير من التحديات والمخاطر تجلت أساسا في الكثير من الأحداث والوقائع التي كانت وراءها مجموعات ضغط يمينية محافظة مناهضة للتغيير الديمقراطي التي صاحبت تلك المرحلة والتي كان من تمظهراتها الصارخة المحاولة العسكرية  الانقلابية  لسنة 1981 من اجل العودة الى نظام حكم العسكر والتي  شكلت أول تهديد حقيقي للتجربة الديمقراطية الفتية. في مقابل ذلك أظهرت بالملموس عدم تمكن قوى التغيير الديمقراطي، وقت ذاك، من الاستغلال الجيد للفرص التي كانت مواتية لتحصين التجربة الديمقراطية علاقة بالظروف الداخلة والدولية، وبما كان يعيشه النظام الدكتاتوري من وهن وحصار. ومن ضمن هذه الفرص الضائعة، عدم إصرار قوى التغيير الديمقراطي على ربط عملية الانتقال الي الديمقراطية بالعدالة الانتقالية وما تستلزمها من اعمال لمبادئها  المؤسسة، خاصة ما تعلق منها بالمساءلة وعدم الإفلات من العقاب من اجل ضمان عدم التكرار والحق في  معرفة الحقيقة وحفظ الذاكرة  الخ.. .

الا ان هذه المحاولات الارتدادية، على التجربة الديمقراطية ، التي رغم كونها  لم تصمد امام الارادة العارمة  للشعب الإسباني في التحرر والانعتاق من الدكتاتورية التي عانى منها الأمرين لسنين طويلة، إلا أن المجموعات المحافظة التي كانت وراءها وهي التي حمت الانقلابيين من الاعتقال، أدركت حينها بضغط من قوى التغيير الديمقراطي الداخلي وبضغط من دول الجوار الأوروبي، أن لا مناص من الانتقال إلى الديمقراطية، فحولت من كان بالنسبة لها مخاطر الي فرص من أجل ضمان استمرار مصالحها، فاشتغلت  بمنطق التقية السياسية ، وسايرت موجة الانتقال، وأبقت على تحكمها في مفاصل الدولة العميقة من جهة وناورت ومانعت من جهة أخرى في نقاشاتها حول الوثيقة  الدستورية من أجل الحفاظ على امتيازاتها وتحكمها السياسي المركزي الذي يؤمن لها استمرارية مصالحها واستمرارية  قبضتها على البنيات الحاكمة في الدولة والمجتمع، وهو ما  نلمسه الان في طريقة معالجة الحكومة المركزية للازمة السياسية الحالية وما تتسم به من تهديد بالرجوع الي ما قبل دستور 1978 وسحب الحق الدستوري لكتالونيا في التمتع بوضعية الحكم الذاتي . 

 3/ السياق الدستوري للازمة السياسية الحالية ووقعها علي وضعية الحكم الذاتي الذي تتمتع به بعض الاقاليم والجهات .

إن ما عكسه الدستور الإسباني  الانتقالي لسنة 1978 من تناقضات والذي يسحب  في بعض بنوده باليد اليمنى ما يمنحه باليسرى، ويفوض للحكومة المركزية وللتيارات اليمينية المحافظة صلاحيات دستورية وتشريعية من أجل فرملة أي محاولة تروم إلى إحقاق المزيد من المكتسبات الديمقراطية التي يمكن أن تهدد مصالحها، والتي عززت  حمايتها عبر ترسانة قانونية وتشريعية تؤمن لها استمرارية تحكمها في صناعة القرار السياسي الإسباني، وهو ما نستشفه من المادة 155 التي تنسف كل  ما تم التنصيص عليه دستوريا في المواد 2 و3 و4 و المادة 143 من الدستور التي تنص على حق الأقاليم ذات الخصوصيات المشتركة من التمتع بوضع الحكم الذاتي. وهي المادة نفسها  التي عللت بها الحكومة قرار  التراجع علي هذا الحق  الذي يتمتع به إقليم كاطالونيا وذلك بعد أن اعتمدته المحكمة الدستورية سابقا في إصدار حكمها القاضي بلا دستورية الاستفتاء من أجل الاستقلال، وبالتالي سحب هذا الحق الدستوري الذي تناولته بشكل صريح المادة 143، ليتحول من حق مكتسب بقوة الدستور والقانون وبفضل تضحيات الشعب الاسباني من اجل الحرية والديمقراطية على الدولة واجب حمايته وتطويره ، إلى هبة ممنوحة  يحق لواهبها ان يسحبها متى شاء. هذا دون إغفال ما تشكله مبادرة النخب السياسية الكتلانية  في شأن الاستفتاء من أجل الاستقلال من إجراء غير محسوب العواقب  خاصة مع ما صاحب هذا الاستفتاء  من استنفار للشعور القومي  حشرت نفسها من خلاله  في الزاوية الضيقة  يصعب الخروج منها دون ان تفقد هذه النخب الكثير من مصداقيتها ام ناخبيها (انظر مقالي السابق). كما ان هذا الاجراء يمكن اعتباره كذلك أحادي الجانب، في تجاوزه لعقد اجتماعي  متوافق عليه بين مختلف الشركاء السياسيين بإسبانيا، وأن أي  قطع معه أو تعديل جزئي   أو تغيير كلي له يستوجب أن يكون ضمن حوار عمومي شامل يستجيب لإرادة الشعب الاسباني  في التغيير والتقرير في مستقبل اسبانيا.

 يمكن القول اذن، ان اجراءات الحكومة السياسية المركزية في حق إقليم كاتالونيا، بقدر ما هي انفعالية، بقدر ما تعكس استمرارية تأثير اللوبيات المحافظة في صناعة القرار الوطني الإسباني مستندة في ذلك إلى ما تتمتع به من امتيازات دستورية وقانونية  دبرتها بشكل جيد خلال صياغة الدستور الانتقالي لسنة 1978.

 4/ الازمة السياسية الحالية بين فرص الحل ومخاطر الانزلاق الى  الاسوء.

إن التصعيد في الخطاب السياسي للحكومة المركزية وما صاحبه من استعمال للقوة، إضافة إلى إجراءات  قمعية و زجرية وصلت الي حد  التهديد بالتراجع عن وضعية الحكم الذاتي التي يتمتع بها الإقليم، وشن الاعتقالات في حق  بعض القيادات السياسية الكتالانية لم يكن ضروريا، حتى وان تم تبريره بتطبيق القانون في مواجهة الأزمة السياسية التي تعصف بكتالونيا وكل اسبانيا، وضمنيا بما يحمله من رسائل مشفرة لباقي الجهات التي  يمكن أن تجد نفسها في نفس وضعية كتالونيا، إن هي فكرت السير في نفس النهج. بل كان عليها واجب الإنصات لضمير الأمة المتعددة الهويات ولانتظاراتها، لأن كتالونيا لا تشكل استثناء، كما تريد الحكومة الاسبانية تسويقه، بل هي تعبير استثنائي لحالة عامة لعموم شعوب إسبانيا، وهو ما كان يتطلب منها التدخل الاستباقي القائم على الحوار الشامل مع جميع الفرقاء السياسيين والمجتمع المدني الإسباني من أجل التأسيس لمرحلة انتقالية جديدة بعد تلك التي تلت مرحلة دستور 1978، تأخذ بعين الاعتبار انتظارات الشعب الإسباني كمجتمع متعدد ومن خلاله انتظارات المجتمعات المحلية التي تتشكل منها الجهات ذات هوية تتمتع بوضع الاوتو نوميات. وليس اعتماد سياسة الهروب إلى الأمام  باعتماد  قرار إعادة الانتخابات المناطقية التي لا تضمن، في كل الاحوال، انتخاب مؤسسات محلية  على المقاس ومؤيدة للحكومة المركزية، ولا يمكنها الا أن تزيد من سخط الشارع الكاتلوني وباقي الجهات من فقدان الثقة اتجاهها ومن كل المؤسسات الدستورية وبمزيد من اتساع الهوة بين الدولة وفئات واسعة من الشعب الإسباني ، لأن مثل هذا الإجراء ، حتى و إن بدا قانونيا، إلا أنه يشكل في جوهره ذالك،  الوجه الآخر والناعم  للمقاربة الأمنية  التي يحكمها توجس النخب السياسية المركزية من الأضرار التي يمكن أن تصيب وحدة وسيادة إسبانيا  حسب اعتقادها الذي تستمده من موقع وصايتها على الدولة والمجتمع،  وهو ما تعمل على ترويجه للشعب الإسباني،  متناسية  بذلك كون وحدة الشعوب ما كانت يوما تتم بالإكراه والقوة، وحتى وان حاولت إظهار تدخله العنيف بمظهر من يحتكم إلى إعمال ونفاذ القانون.

إن هذه المقاربة التي اعتمدتها الحكومة المركزية الاسبانية اذن، سوف لن تؤدي سواء عاجلا ام اجلا ، إلا لمزيد من الاستنفار للشعور القومي لدى باقي المناطق والأقاليم التي تتمتع بأوضاع مشابهة، والتي أدركت من خلال هذه المقاربة، أن القوى المحافظة من داخل الدولة الإسبانية لم تؤمن أبدا بشيء اسمه الدستور الانتقالي، بل كان بالنسبة لها حد    أقصي، فرض عليها قسرا، لما يمكن أن تقدمه من تنازلات في شكل الدولة وشكل نظام الحكم، ولا يعكس تحولا فعليا في بنيتها الفكرية والعقائدية، بما يستجيب لطموحات  المجتمع الإسباني وقواه الحية في تطوير تجربته الديمقراطية والتنموية، وبما يستجيب لمتطلبات السلم الاهلي الذي هو أساس استقرار الدول والمجتمعات.

اذن فان ما ورد من بنود  متناقضة ومقيدة لتطور التجربة الديمقراطية الإسبانية، رغم كونها متوافق عليها بين الفرقاء السياسيين في الدستور الانتقالي 1978 من أجل تيسير عملية الانتقال إلى الديمقراطية بالنسبة للقوى الحداثية والديمقراطية وقت ذاك، إلا أنها لم تكن كذلك  بالنسبة لقوى اليمين المحافظ، ولم تكن من باب الحرص على التجربة الديمقراطية الفتية لإسبانيا، وخوفا من الانزلاقات التي يمكن أن تهدد السلم الاجتماعي، خاصة وان اسبانيا كانت قد خرجت لتوها من مرحلة مظلمة من  تاريخها السياسي، إنما  كان ذلك عن سبق الإصرار والترصد، وكان إدراج البنود التي تشرعن تحكم الدولة المركزية في مفاصل الدولة والمجتمع بالنسبة لها  ، يندرج  ضمن إستراتيجية مفكر فيها سلفا ، من أجل  ضمان تحكمها، ولما لا إمكانية التراجع عن التعاقدات السابقة، ان توفرت شروط ذلك، او إن هي استشعرت تهديدا لامتيازاتها ومصالحها التي يضمنها لها شكل نظام الحكم المركزي الحالي، الذي سبق أن عززته بترسانة قانونية ودستورية وانتخابية    تشرعن للانقلاب والتراجع عن هذا الحق  وعن روح الدستور، الذي عكس في حينه ارادة الأمة المتعددة الاسبانية في بناء الدولة الديمقراطية المركبة، ولو  بشكل متدرج ، من خلال تمتيع بعض الجهات بوضعية الحكم الذاتي، والتي يتحول بمقتضاها مفهوم السيادة الوطنية إلى تعبير مكثف لسيادات جهوية تكون فيها هذه الاخيرة شريكة حقيقية في صناعة القرار الوطني  الاسباني ، ويكون انتماءها للوطن طوعيا واراديا وليس قسريا.

إن هذه المقاربة  القائمة علي المواجهة من طرف الحكومة المركزية الاسبانية، خلق حالة من فقدان الثقة بين المجتمعات المحلية والدولة ومؤسساتها المركزية ، وهو ما يمكن تلمسه من خلال الكثير من التعبيرات السياسية، ليس فقط بكطالونيا وأحزابها الجهوية، وإنما كذلك في كل من إقليم الباسك و اقليم اندلوسيا الخ إن هذه المقاربة  القائمة علي المواجهة من طرف الحكومة المركزية الاسبانية، خلق حالة من فقدان الثقة بين المجتمعات المحلية والدولة ومؤسساتها المركزية ، وهو ما يمكن تلمسه من خلال الكثير من التعبيرات السياسية، ليس فقط بكطالونيا وأحزابها الجهوية، وإنما كذلك في كل من إقليم الباسك و اقليم اندلوسيا الخ

 التي استنكرت هذه الإجراءات التي انتهجتها الحكومة المركزية الاسبانية ، وطالبت بالحوار من أجل توفير شروط الوحدة الطوعية، وليس الوحدة القسرية، التي لا يمكن الا ان تعمل على خلق شروط موضوعية لمزيد من الانقسامات والأزمات داخل المجتمع الإسباني .

 

كما أن هذا التصعيد من طرف الحكومة الإسبانية المركزية، التي بدل أن تعمل من أجل البحث عن حلول سلسة وعقلانية لما أفرزته عملية الاستفتاء على الاستقلال بإقليم كتالونيا من تحديات تفيض حتى على  إجراء الاستفتاء نفسه، تلامس  قضايا جوهرية تهم:

 1/  سؤال شكل الدولة الاسبانية الحالي، وهل لازالت تشكل نموذجا ملائما لما أفرزه الواقع الحالي من تحديات وأزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية تخترق الدولة والمجتمع ؟.  وإلى أي حد يمكن اعتبار الشكل الحالي  للدولة الذي أفرزه الدستور الانتقالي لسنة  1978 لازال مسايرا لتطور وطموحات المجتمع الإسباني كمجتمع متعدد ومتنوع؟، أم أن المرحلة تقتضي الانتقال من الدولة المركزية البسيطة إلى الدولة الديمقراطية المركبة القائمة على مفهوم الأمة المتعددة، حيث صناعة القرار السياسي يتخذ الصبغة الأفقية بدل العمودية ، ويستند الى منطق الاخوة بدل الأبوة ، بما ينسجم والمضامين الفكرية لمرحلة ما بعد الحداثة .

2/ سؤال شكل نظام الحكم الذي أفرزه الدستور الانتقالي القائم على المركزية السياسية  والوصاية التي تمارسها النخبة السياسية المركزية على الدولة والمجتمع ، أم وجب الانتقال الى  شكل آخر لنظام الحكم يقوم على أساس الشراكة السياسية الفعلية بما ينسجم وتطور شكل الدولة الذي سبق ذكره ؟ .

كما أن الحكومة الاسبانية المركزية، وبدل البحث في مخارج دستورية أخرى، تعمل بالرقي بالمجتمع الاسباني كمجتمع متعدد ومتنوع بخصوصياته الجهوية والتاريخية والثقافية. وبدل استفادتها بشكل ايجابي مما تمت مراكمته في حقل الممارسة السياسية الديمقراطية لما يقارب من أربعين سنة، عملت على حشر نفسها في الزاوية الضيقة  برجوعها إلى المادة 155 من الدستور، التي تنسف كل ما تمت مراكمة في مجال الممارسة الديمقراطية الاسبانية، التي هي إرث جماعي لعموم الشعب الاسباني، ولا يحق لأي طرف التراجع عليه، وبالتالي فهي تساهم في خلق الشروط الموضوعية لمزيد من الانقسامات  المجتمعية  الحادة  تغذيها  الشكوك التي بدأت تلف حول  التجربة الديمقراطية  برمتها بما يمكن أن يترتب عن ذلك من مخاطر على مستقبل استقرار اسبانيا.

ومن البديهي أن اعتماد الحكومة الإسبانية المركزية على المقاربة الصدامية والانقلابية في مواجهة مسألة الاستفتاء بكتالونيا، بدل الاحتكام إلى منطق الحوار الهادئ من أجل ايجاد حلول توافقية، يجد مصوغاته كذلك، ليس فقط  في النخب السياسية المشكلة للحكومة، بل كذلك في اللوبيات المركزية المحافظة المتحكمة في المفاصل الأساسية للدولة، وبصيغة اخرى الدولة العميقة، حتى قبل وبعد مرحلة الدستور الانتقالي التي أتقنت في حينها لعبة التقية السياسية، التي سبق وان اشرت اليها في بداية المقال، بل أكثر من ذلك، استطاعت كما يبدو تطويرعملها وأدائها، ووسعت شبكة من المصالح والامتيازات الاقتصادية والسياسية، استقطبت إليها، ليس فقط من هم محسوبون عليها تاريخيا من اليمين المحافظ كامتداد سياسي طبيعي لها، بل طالت حتى الحزب الاشتراكي الإسباني،  الذي كان مناهضا لها عبر صراعه المرير مع الدكتاتورية، وهو ما انعكس في تصويته بمجلس الشيوخ لصالح إعمال المادة 155 من الدستور، معلنا بذلك على اصطفافه الصريح إلى جانب الحزب الشعبي اليميني الذي يشكل الامتداد الطبيعي للمرحلة الفرانكوية، في مقابل مواقف الأحزاب اليسارية والديمقراطية الأخرى، كبوديموس والحزب الوطني الباسكي وباقي الأحزاب الجهوية اليسارية والقومية منها، التي اعترضت على استخدام القوة ضد إقليم كتالونيا، وأوصت بعدم إعمال المادة 155 من الدستور التي تشكل انقلابا على كل من المواد 2 و3 و4 والمادة 143 التي تعطي الحق للمحافظات المجاورة، التي تتمتع بخصوصيات تاريخية وثقافية واقتصادية مشتركة في التمتع بنظام الحكم  الذاتي، وطالبت في مقابل ذلك اللجوء الي الحوار كآلية فضلى لحل النزاعات والأزمات. 

دون أن نغفل أن هذه اللوبيات المحافظة المتحكمة في الدولة العميقة الاسبانية التي يشكل للحزب الشعبي الإسباني تعبيرها السياسي الظاهري، هي من تقاوم التغيير داخل اسبانيا حاليا، كما قاومته في سبعينات القرن الماضي إبان عرض الوثيقة الدستورية على المناقشات، وهي من أوصت بإدراج المادة 155 من الدستور، وحشرت المجتمع السياسي الإسباني في الزاوية الضيقة، على غرار النخبة الكطلانية الداعية  للاستقلال، مع التهديد بالتراجع عن كل ما تمت مراكمته في مجال الممارسة السياسية الديمقراطية بإسبانيا ، وهو وضع يهدد الجميع ويتطلب من التنظيمات السياسية اليمينية عدم الانجرار وراء التيارات المتشددة التي لازالت تحن إلى العهد الفرانكوي، وتقطع إلى غير رجعة الحبل السري الذي لازال يربطها بها، كما يتطلب من القوى الديمقراطية اليسارية والليبرالية  الاسبانية  التواقة للتغيير، التكتل في جبهة عريضة لمواجهة المخاطر المحدقة بالتجربة الديمقراطية الاسبانية، وطرح البدائل الممكنة من خلال تعاقدات سياسية واجتماعية جديدة ، وإطلاق  دينامية الحوار الشامل حول كل القضايا التي تشكل قلق الأمة الإسبانية المتعددة، وهو الحوار الذي يجد أسسه الدستورية في المادة 168 التي تشير الي امكانيات اجراء تغييرات او تعديلات دستورية  جزئية أو شاملة، وهي الإجراءات التي عملت على تنظيمها وتقنينها،  خاصة وان المادة 169 والمادة 116 كانتا صريحتين في تحديد الظروف التي تسقط  اللجوء إلى المادة السابقة التي تم الاستناد اليها من اجل إضفاء الشرعية الدستورية على المقاربة الانقلابية والمتمثلة اساسا في حالة الحرب والاستتثاء، وهي الشروط التي تنتفي في الحالة الاسبانية الحالية، رغم الازمة السياسية والاجتماعية  التي تمر بها حاليا.

ومن نافل القول أن التغييرات الدستورية المنتظرة، يجب أن  تكون  قائمة على تعاقدات سياسية واجتماعية جديدة قوامها الحرص على الحوار والنقاش  الوطني الشامل، حول شكل الدولة وشكل السلطة السياسية، ومفهوم الوحدة الوطنية والسيادة، اضافة الى مفهوم الأمة  والعمل على إعادة صياغة مفاهيمها بما  يجيب على متطلبات التصدي للأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحالي وبما  يلائم ويستجيب لانتظارات الشعب الاسباني المتعدد، في بناء اسبانيا الديموقراطية ، التي تتسع لجميع مواطنيها ومواطناتها.

الخلاصات الخمسة لما سبق ذكره:

1. أن هذه النقاشات العمومية،  يجب أن تقود الي نقاشات فكرية وفلسفية، تستحضر ما جد في فكر ما بعد الحداثة الذي يؤصّل للدولة الديمقراطية القائمة علي مفهوم الأمة المتعددة  بديلا للدولة الوطنية القومية او الدولة اليعقوبية النابذة للتعدد، والتي تنصب فيها النخب الفكرية والسياسية المركزية نفسها وصية على الدولة والمجتمع ومصائر الناس، والتي ارتبطت تاريخيا بالقيم المثلى لفلسفة عصر الأنوار وبفكر الحداثة.

2. و في مطلق كل الأحوال لقد بدأت تحولات وتغيرات عميقة في البنيات الأساسية للدولة والمجتمع، وبداية نهاية كل بنياتها التقليدية المحافظة، رغم ما تبديه من مقاومة   تتجلى في طريقة معالجتها للأزمة في كتالونيا، التي لا تشكل حالة استثنائية كما تحاول الحكومة المركزية تسويقها، بل تكثف واقع الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في عموم اسبانيا.  كما أن هذه التحولات ستؤشر، لا محالة،  على نهاية مرحلة الدولة البسيطة، والانتقال إلى الدولة المركبة، والشراكة السياسية الحقيقية، التي يجب أن تتضمنها أي تعديلات دستورية جديدة.

3. إن ما تشهده اسبانيا من حراك  سياسي واجتماعي سيؤدي بالضرورة الي  تحولات  عميقة في المشهد الحزبي و في البنية التنظيمية والفكرية  للأحزاب التقليدية الوطنية التي تتماثل بنيتها التنظيمية مع بنيات الدولة المركزية، رغم ما تبديه هذه البنيات من ممانعة  تجاه التغيير العميق والقادم لا محالة الذي ستشهده الدولة والمجتمع الإسباني في المدى المنظور  والمتوسط.

4. أمام ما تشهده اسبانيا من تجاذبات وما تتميز به من تعبيرات سياسية يمينية ومحافظة تروم الرجوع بالوضع إلى العهد البائد ، التحدي الذي يفرض على الديمقراطيين تجاوز اختلافاتهم الثانوية للاصطفاف في  جبهة عريضة من أجل الضغط في اتجاه إطلاق حوار شامل  في أفق تعاقدات اجتماعية وسياسية جديدة، يمكن أن يشكل حزب بوديموس قاطرتها مع باقي الشركاء السياسيين الديمقراطيين، نظرا للتمثيلية التي يتمتع بها في مختلف جهات إسبانيا، ونظرا لحداثة تشكله التي تعفيه من جراحات  وتوافقات الماضي ونظرا لمواقفه المتأنية المطالبة بالحوار .

5. كما يمكن اعتبار الاحتقان السياسي الحالي هو بداية نهاية اللوبيات المحافظة  التي استماتت، ولا تزال، في الدفاع عن مصالحها وامتيازاتها الاقتصادية والسياسية التي تراكمت من داخل نظام الحكم السياسي المركزي لإسبانيا ما قبل وبعد الانتقال إلى الديمقراطية، وان لا سلطة تعلو على ارادة الشعب الاسباني باعتباره صاحب السيادة في ممارسة حقه في تقرير مصيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفي تحديد  اختياراته في شكل الدولة وشكل نظام الحكم الذي يراه مناسبا له.

د تدمري عبد الوهاب        

27 أكتوبر 2017





التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك