الرئيسية | أراء | المجتمع المدني بين التباس المفهوم والتوظيف الملغوم"تتمة"

المجتمع المدني بين التباس المفهوم والتوظيف الملغوم"تتمة"

بواسطة
المجتمع المدني بين التباس المفهوم والتوظيف الملغوم"تتمة" حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

محمد بلمزيان

..على  المستوى الوطني  ظهرت الى  الوجود  مع بداية   التسعينات من القرن الماضي  تنظيمات جمعوية حاولت أن تقارب موضوع التنمية   خاصة في المجال الإجتماعي وفق منظور غير رسمي ، والذي جاء  ضمن سياق  دولي   كان الخطاب حول  هذا الموضوع منتعشا في  الغرب  حول ما يسمى  بالمنظمات  غير الحكومية   

( organisations non gouvernementals  ) وشروع  هيئات دولية  في  تقديم أشكال من الدعم  والمساعدات التقنية والمالية  لتحقيق   بعض الخدمات والمشاريع  لفائدة الساكنة  المحلية حسب الإحتياجات الأساسية  ووفق الأولويات في حياتها  وتمويلها  جزئيا أو كليا ، انطلاقا من هذه الأجواء العامة  للسياسة الدولية  في تلك الظرفية  التي  ما فتئت  تروج لها  عبر  المؤسسات  المحلية والإقليمية التابعة  للأمم المتحدة  والإتحاد الأوربي واليابان  فيما يخص  علاقة شمال  /  جنوب ، أو وفق  هيئات  غير  حكومية  تتوخى نفس  الغايات، تزامن ذلك  مع  طفرة نسبية   في  نسبة المتعلمين والحاصلين على الشواهد   العاطلين عن العمل من مختلف  الأصناف  والمستويات،  بالموازاة مع  ازدياد  رغبة الناس  في الإنتظام   في  مؤسسات  لتحقيق  نوع من الرغبات المشتركة ، بالرغم من الكوابح الذاتية والقانونية التي تعيق هذا المسار في المجتمعات التي تعرف الحرمان والتضييق على الإرادات الجماعية والفردية في المبادرة والإبداع في المجالات الإجتماعية  الحيوية، وهذا  ما عبر  عنه المفكر الفرنسي  توكفيل  Tocqueville  قائلا : ( في البلدان الأكثر ديمقراطية هي   البلدان التي   يجيد  فيها الناس السعي الجماعي نحو تحقيق  الرغبات المشتركة على اعتبار وجود علاقة  تلازم بين الجمعيات والمساواة)  مضيفا بأن: ( فن الإنتظام ضمن الجمعيات مؤشر  تحضر وأنه فن يتنامى  بالتوازي مع تنامي  شروط المساواة ) . رغم  الإختلاف  في الأوضاع الإجتماعية والتشخيص للواقع بين  المجتمع الأمريكي  الذي خضعه  المفكر  الفرنسي المذكور  لمشرحة تفكيره النقدي، والذي  أفضى من خلال مقارباته  للمجتمع المدني في  أمريكا،  على أنه أغزر مجتمع في تأسيس الجمعيات  وميل المجتمع المدني فيه نحو الإنتظام  في الجمعيات المختلفة، مقارنة مع المجتمع الفرنسي  والإنجليزي  المائلان الى  الإتكالية على الدولة  حسب  تعبيره ، غير  أنه  يمكن  العثور  على   أكثر من  خصلة   شعرة  كقواسم  مشتركة   بين المكونين تتمثل في وجود الرغبة  والإرادة  الجامحتين لدى   فئات واسعة من الشباب خاصة أوعموم المهتمين والفاعلين عامة في تبادل وتجاذب الأفكار والإنخراط في عمل الجمعيات الغير الحكومية ، والقيام بمبادرات من   شأنها  المساهمة في  بلورة  مقترحاتهم في مشاريع  مختلفة ذات بعد تنموي تهم أغلب مناحي الحياة اليومية للمواطنين،وذلك   نتيحة وجود إما  تقصير واضح   من الدولة في  تلبية المطالب  المختلفة  للساكنة  حفاظا على الكرامة البشرية  أو وجود خلل في  إنجاز بعضها، أولغياب أبسط  شروط الحياة   والإستقرار خاصة  في العالم القروي كما هو الحال عندنا ،وقد جاء استغلال هذه الجمعيات لأجواء  هذه الخطابات التي أطلقت  من أعلى مستويات المحافل الدولية في سياق اشتداد الأزمة الخانقة  للنظام الرأسمالي العالمي وتنامي الهجرة غير المنظمة  والدعوة التي أطلقتها  هيئة الأمم المتحدة  في إطار  علاقات  شمال/ جنوب عبر  ملحقاتها في العالم ، وضمن   سياسة نزوع دولي  متزايد في اهتمام البنك الدولي   بحالات  الدول السائرة في طريق  النمو، والمساعدات التي يمكن  تقديمها  كقفازات  ناعمة ، للحد من   هوامش الفقر والهجرة السرية والجريمة والتي  أصبحت تتغذى أكثر في   مثل هذه الظروف القاسية والإحساس بالحرمان من الحقوق الأساسية،  مهددة بذلك  أمن  واستقرار  بلدان الشمال  حسب  اعتقاد هذه الأخيرة عبر  تنامي الهجرة ،وأن  ذلك الدعم  المادي المقدم  في العمق يخفي وراءه استراتيجيات أخرى ، ليس في سبيل  سواد  عيون الفئات المتضررة، أو من أجل النهوض بأوضاع  الشعوب ومجتمعات دول الجنوب  بقدرما هي في جزء من استراتيجيتها  البعيدة والحقيقية  هي  إبعاد  شبح الهجرة والجريمة  عن دول الشمال وتحصين  بيتها  الداخلي من تداعيات  تلك الأوضاع  الهشة وغير المستقرة ، فكان من الطبيعي أن تنبري  عدة  جمعيات لتقديم  مشاريعها وبرامجها  على شكل تصورات مقترحة معززة  بأرقام  مستوحاة من الواقع  لا تحتاج  الى برهان أودليل  من أحد  ،على  انعدام  تلك المرافق  الإجتماعية  في هذا الدوار أو ذاك،  أو في هذه القرية أو تلك  أو في  هذه المدينة أو  بأخرى، وأصبحت تلك الجمعيات في رمشة عين تستقطب عدة نخب كانت منكمشة على ذاتها ومنزوية في الهامش بالرغم من مؤهلاتها الثقافية أوالعلمية،  بعدما  بدأت بعض هذه المشاريع المعول عليها،  تعطي  بعض  ثمارها  في الواقع الإجتماعي الحي، وشرعت  بعض الجمعيات تتحكم في ميزانيات هامة وتصرف بطريقتها الخاصة، وحسب  تصوراتها ومزاجها الخاص، فأصبحت  بعض  من  هذه  النخب  التي كانت إما  معطلة أو عاملة في  مهن  مختلفة أو   حتى موظفين  عموميين  أو مقاولين أو مسؤولين  حزبيين  تسيل لعابها  من أجل  اقتسام هذه الكعكة  والإستفادة من هذا الريع الجمعوي والدعم الدولي والمحلي العام والخاص، الذي  أصبح يغدق بالأموال من كل  جهة وطنيا ودوليا، وما تدره من   أرصدة  مهمة تصل  أحيانا حد الإثراء الفاحش للبعض باسم ( التنمية ) كحق  أريد  به باطل ، وتحت مظلة المجتمع المدني  للأسف.

فلا يمكن  أن  يجادل  أحد ما لهذه المشاريع من أهمية  قصوى وتأثير مباشر على  حياة الساكنة خاصة في  العالم القروي، واستفادتها من برامج مختلفة كمحو الأمية والتربية  غير النظامية  والإهتمام بالنساء في العالم القروي، والمساعدة  القانونية  من خلال مراكز  الإستماع  للنساء ضحايا العنف الأسري والمجتمعي ودعم الطفولة في وضعية صعبة ،وشق بعض المسالك  في المداشر وتوفير الماء الصالح  للشرب ، وإنجاز مشاريع تعاونية مدرة للدخل تنتظم داخلها منتجات فلاحية ومبادرات حرفية،  علاوة على تنظيم أيام ودورات تدريبية على إكساب المهارات أو تكوينية في صقل المعارف التقنية والعلمية،  في كيفية  إنجاز  وتسيير الجمعيات وإنجاز المشاريع  وفق مقاربة  تشاركية مع الأطراف المعنية والهيئات الممولة، وغيرها  من المبادرات التي يمكن رصدها في الميدان سواء  محليا باقليم الحسيمة، أو وطنيا، وهي مشاريع ممولة  إما من  قبل  ممولين محليين أو دوليين رسمية أو كهيئات حكومية، كبرامج لمؤسسات تابعة  للأمم المتحدة  أو الإتحاد الأوربي  أو اليابان أو  كمنظمات  غير حكومية ذات الإهتمام  بنفس  الأهداف ، وأن هذه المشاريع جاءت نتيجة  إما  لتقاعس الدولة  عن  إنجازها أو لعجزها  عن توفير هذه المرافق  الأساسية للنهوض بالأوضاع العامة  لحياة  الناس  تصون فيها الكرامة  لساكنة العالم القروي أو  الحضري  حتى،  لكن السؤال المحير والذي يبقى  مربط  فرس من هذه المحاولة هو  مدى نجاعة هذه المشاريع وقدرتها على الإستمرار في  أداء خدماتها والمواكبة للمراحل المختلفة والمعيقات المحيطة ضمن  المجال السوسيوثقافي  في تفاعل مع باقي التنظيمات  المدنية التي يمكن أن  نقحمها  بمؤسسات  المجتمع المدني  مع المواطنين  المستهدفين لدفع هؤلاء  الى تحمل  مشعل المبادرة للمطالبة بحقوقهم  والدفاع عنها  بكيفية ذاتية ،وكيفية إدارة ملفاتهم الإجتماعية دون الإستعانة غدا بتلك الجمعيات التي يجب أن تكون  حلقة   مؤقتة وانتقالية  دون أن تبقى وكيلا مفوضا على الدوام وناطقا  رسميا  لأنين وصرخات المجتمع،وهل هذا الصنف من الفاعلين الإجتماعيين على  صعيد العمل الجمعوي،  قادرين على تغيير الأوضاع  الإجتماعية للساكنة أم أنهم يعيدون رسم السياسة الرسمية بطرق أخرى  فقط  لكنها أكثر بشاعة، من خلال قتل مصداقية العمل الجمعوي  ورصيده التاريخي؟  مأم أ/أاأ،أم أن وراء الأكمة ما وراءها، حيث يوجد  شيء آخر مضمر تماما؟ يتعلق الأمر هنا بالملفات الإجتماعية الضاغطة على كاهل الدولة والتي تسير رويدا  رويدا  نحو خوصصتها ورفع يد الدعم  عنها بشكل تدريجي ، وتصبح بالتالي جميع  المكتسبات  المتحققة على الأرض باسم التنمية المقدمة من قبل  تلك الجمعيات،  تعيق الوعي الطبيعي للمواطن  بمسؤولية الدولة الكبرى في  النهوض بها والتخلف عن مطالبتها بتلبيتها إياه، بل الأكثر من  ذلك يمكن أن يلقي المواطن  باللائمة على تلك الجمعيات  على   فشلها  في المضي  بعيدا  في حمل   هذه الأثقال  التي هي أصلا من صميم  مهام الدولة ، وسينقلب السحر على الساحر، مما يجعل هذه الأخيرة وفق هذا التصور بعيدة  عن المحاسبة في حال فشل تلك المشاريع  وفي حل من أي تدبير سيء  صادر عن  تلك الجمعيات التي فضلت ركوب لجج البحر  دون الدراية بفن العوم وسط العباب العاتية، تاركة  بالنتيجة غرقى تطفو على السطح بين الحين والآخر دون التوفر على وسائل انقاذها، كحالات  تحتاج  الى إسعافها  حتى لا يستبد بها الحال الى وضعيات  مستفحلة، وأن هذه الصورة تنطبق على العديد من نماذج  الجمعيات التي تجاسرت في البداية  للقيام   بمشاريع ذات  أفق تنموي، لكنها  لم تصمد أمام المعيقات المختلفة  وانحسار التمويل  أو  ضعفه إن  لم نقل اجتفافه من  المصدر في ظل  المتغيرات الدولية والأزمات الإقتصادية المتوالية والتداعيات السلبية للنزاعات المسلحة والحروف الدائرة في نقاط مختلفة من  هذا الكوكب، ووضعت تلك التجارب على  محك حقيقي لواقع  عنيد  أجهضت تلك المشاريع على الأرض في المهد أو بعض سنوات قليلة فقط  من  شروعها في العمل، فينطبق عليها المثل الألماني  القائل : (كي لا نقيم تماثيل من الثلج  ثم نشكو يوما أنها تذوب ! )  ، وإما   لاعتبارات  ذاتية تتعلق  بعقلية إدارة تلك المشاريع  والتي  غالبا ما  تكون  خلفها  سوء التدبير  بفعل استحواذ عناصر ذات نوايا ماكرة وغير  نزيهة على قرارات مكاتب  الجمعيات وتحكمها  المطلق في  تسييرها حسب هواها ومصلحتها أو الوصاية على مفاتيحها  ومشاريعها، وهو  ما يعيق  سيرها  الطبيعي ويحبط  الطموحات النزيهة التي  يمكن أن  تراود أية رغبات  طموحة لدى الشباب في المساهمة لإثراء  المشهد الجمعوي،  بل  أن  هذا الإنحراف يساهم  في اغتيال عنصر  الحس النضالي / التطوعي للعمل الجمعوي و تمييع رسالته التاريخية  من حيث هو من المفترض أن يكون مغايرا  تماما للمنطق الذي  تسير بها  شؤون الدولة خاصة في البلدان غير الديمقراطية والتي تتسم عادة  بالإهمال الفظيع للقطاعات المتوجهة لعموم الشعب ، والتي غالبا ما تكون عرضة للنقد وتحت نيران  وضغوط الإحتجاجات  الإجتماعية  المؤججة من قبل الإطارات الجمعوية الجادة .

وهذه  الأخيرة   تشكل  نقيضا لتلك الجمعيات الصفراء  المسترزقة التي تكون العناصر الخلفية وراء  تأسيسها  أو تدبير شؤونها في الواجهة  كعناصر تعيد إنتاج  السياسات الرسمية أو مدفوعة من قبل  بعض الفاعلين  الإقتصاديين والسياسيين  للإنتفاع من  صنابير الدعم  المتاحة وقضم الكعكة  تحت يافطة العمل الجمعوي (كذ)،وهذه  الأخيرة   تشكل  نقيضا لتلك الجمعيات الصفراء  المسترزقة التي تكون العناصر الخلفية وراء  تأسيسها  أو تدبير شؤونها في الواجهة  كعناصر تعيد إنتاج  السياسات الرسمية أو مدفوعة من قبل  بعض الفاعلين  الإقتصاديين والسياسيين  للإنتفاع من  صنابير الدعم  المتاحة وقضم الكعكة  تحت يافطة العمل الجمعوي (كذ)،عبر تنصيب أشخاص في الواجهة  يتوفرون على  قابلية  لعب  دور الكومبارس والتنكر لأية رسالة نبيلة  تنسجم  مع حاجيات المواطنين، أوذات  ميولات  مغرضة تعيق المسار الحقيقي  لتطوير المجتمع والدفاع عن  مطالبه المختلفة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وبيئيا وغيرها، وأن استغلال  نبل العمل الجمعوي  لترجمة  هواجس توجهات  سياسية هو  انتهاك لحرمة  هذا الجسد الذي  من المفروض أن يكون  بعيدا  عن  التجاذبات السياسية  المباشرة في المجتمع،  لكن  دون  أن يعني  ذلك  إبتعاد  المجتمع المدني عن  الإنشغالات اليومية للمواطنين أو دفعهم الى العيش على هامش  الحياة اليومية ، بل يجب ومن المفروض أن  يكون المجتمع المدني مستحضرا في واجهة صراعه الإيديولوجي كما طرحه  انطونيو  غرامشي، انطلاقا  من خطاب اليسار الجذري  المنتقد للوضعية العامة الذي يشكل  نقيضا للثقافة السائدة كطرح  بديل تماما لها، دافعا على مساءلة دائمة للواقع في مختلف  تجلياته  الإجتماعية والسياسية،بغية  تأسيس ثقافة  جديدة تستبطن  هواجس  أوسع  فئات الشعب  المهضومة الحقوق  لتكون أرضية   للترافع   الحقيقي على  مطالبها الأساسية، والحال أن تجارب بعض الجمعيات التائهة في معمعان ( التنمية) تنساق بكل  سهولة  وراء صف  المنخدعين بشعار  العمل الجمعوي التنموي، وأصبحوا يطبلون صباح مساء في  الدعاية  ونشر الأوهام  لاستمالة الناس الى موائد اللئام، وينخرطون في  إعادة إنتاج  نفس خطاب الدولة في  كيفية رسم  سياستها في المجتمع .

فإذا كانت رسالة المجتمع المدني  تشكل  نقيضا للمجتمع السياسي،  فإننا حينما نستعرض بعض التجارب  الجمعوية  التي توغلت  كثيرا  في  الإشتغال بالمعمعان التنموي وتقمصت أدوارا  تبدو  فوق  طاقتها وقدراتها الذاتية ،  واصطدامنا  ببعض التنظيمات الجمعوية وهي تحاول أن   تقحم  نفسها في مجالات التنمية بمفهوم (المردودية  المادية ) والذي  يتغيى  الرقي بالوضعية الإجتماعية لبعض الفئات الهشة  والمهمشة، عبر توفير  بعض الخدمات  الأساسية التي  عجزت الدولة  عن توفيرها، أو أنها  تملصت من مسؤولياتها في هذا  الإطار، نتفاجأ  من تجاوز مجموعة من الجمعيات من التزاماتها القانونية والأخلاقية، باعتبارها جمعيات غير ربحية ولا تهدف الى الكسب  أو جني أرباح مادية،وشروعها  تحت غطاء إنجاز مشاريع ذات مرامي تنموية  في مناطق  مختلفة،عبر استقطاب  تمويلات وطنية ودولية  وتحكمها في موارد مالية  كبيرة، غالبا ما يتم  النصب على أجزاء منها من طرف  حفنة من الإنتهازيين والإنتفاعيين الذين يختفون في جلابيب الجمعيات  وخطإ باسم ( المجتمع المدني) للسطو على المال وتحويله الى الحسابات  الشخصية، يحدث هذا  حينما يتم  تشكيل بعض مكاتب الجمعيات  بطريقة  غير سليمة وغير ديمقراطية بالإستعانة أحيانا بأفراد عائلية ومن الأسرة الواحدة، باستغلال  أوضاع الفقر والحاجة للشباب والنساء   عبر شراء  ذممها ، أو التزام الصمت  على الأقل حيال ما يجري من خروقات تنظيمية داخلية تصيب العمل الجمعوي في مقتل، دون قدرة السواد الأعظم من المنخرطين/ ات على الإعتراض أو رفض  تلك القرارات الملتوية والمشبوهة  حول كيفية تسيير ماليتها التي  تضرب في العمق الرسالة التاريخية للجمعيات، وتسيء  الى سمعتها  في الصميم والى كل من ينتسب الى  هذا المشترك  في التسمية (الجمعيات المدنية)  ولو اختلفت الأساليب  وطرق التدبير بين جمعيات أسست تحت الطلب لتحقيق  آمال  شخصية، وبين  جمعيات تأسست  لتحقيق  آمال وتطلعات الناس والذوذ عن  مطالبهم الجماعية، بين جمعيات أو إطارات تعاونية أنشئت لأغراض أقل ما يقال عنها أنها مصلحية وانتفاعية  نابعة عن خلفية سيئة ، وبين جمعيات تواقة الى خدمة  قضايا المجتمع العادلة،اقتصادية كانت أو اجتماعية حقوقية ثقافية  بيئية رياضية صحية ...ويشير حمودي في نفس كتابه السابق الى :( أن نشأة المجتمع المدني في العالم العربي ، خاصة في البلدان المغاربية في الثمانينات من القرن الماضي ارتبطت بعاملين أساسيين: عامل  داخلي يتمثل في الفتور الذي  ميز البناء الإقتصادي  والتنموي للمجتمعات المغاربية، وما نتج عنه من ظهور  لتيارات جديدة  تشكك في مشروعية  الدولة الوطنية وتنتقد ما تسميه  بفشلها في تلبية جاجيات الطبقات الشعبية، ثم عامل خارجي : يتجسد  في المساندة المادية والتقنية والرمزية التي وفرتها الليبرالية الجديدة) .

فإذا  كان مفهوم النمو  من الزاوية الإقتصادية  في جانب منه  يعني الزيادة من  نصيب الفرد من  الناتج القومي خلال  فترة زمنية  محددة، فإن  مفهوم التنمية يبقى رهانا  أوسع وأصعب من  ذلك بكثير، يهم بالإضافة الى ما يعنيه النمو، هو تضييق الفجوة بين الفئات والمناطق  داخل البلد الواحد  من خلال توزيع الثروة  بشكل عادل وتقليص عد العاطلين عن العمل والذين يعيشون في فقر  مدقع ،  وتوفير الحاجيات الأساسية الضرورية التي تدخل  ضمن الحقوق  الأولى للإنسان من مأكل وملبس  وتعليم وصحة ، إذن فكلما  تحقق  حلم الدولة في التنمية كلما تحقق حلم الفرد  أيضا في نصيبه من  الدخل والعيش الكريم،  لكن يبقى  هذا المفهوم  الإقتصادي للتنمية غيرمتجانس مع  الطرح السوسيولوجي الذي يركز على  أن  التنمية  هي كل التغيرات الإجتماعية  التي  يمكن أن تطرأ على مجموع  الممارسات السائدة  والطقوس الإجتماعية  المتوارثة جيلا  بعد جيل في مجتمع ما ، فهل يمكن للعمل الجمعوي أو الأحرى الجمعيات التنموية  أن  تتوفق في مسعاها  من خلال  مقاربتها البسيطة  في إنجاز  هذه الرهانات الصعبة في المجتمع ؟ والى أي حد يمكن أن تتنازل الدولة ولو مؤقتا عن هذه  المهام والصلاحيات الدقيقة ولو مرحليا لصالح  الجمعيات، في إطار تقاسم السلط الرمزية والإقتصادية ؟ أسئلة   كثيرة تحتاج الى إضاءات كاشفة سنحاول أن نجيب عنها في محاور قادمة.





التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك