الرئيسية | فكر وثقافة | دور المجتمع المدني النقدي في تكريس خيار الحداثة وبناء الديمقراطية داخل المجتمع المغربي -نموذج الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة-

دور المجتمع المدني النقدي في تكريس خيار الحداثة وبناء الديمقراطية داخل المجتمع المغربي -نموذج الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة-

بواسطة
دور المجتمع المدني النقدي في تكريس خيار الحداثة وبناء الديمقراطية  داخل المجتمع المغربي -نموذج الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة- حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

*الزاهيد مصطفى: أستاذ مادة الفلسفة بالفقيه بن صالح وباحث

1.في نقد وهم "الحياد" والنزعة الأبيقورية في الحياة المدنية

يعود أصل الأفكار التي تدور حولها هذه المقالة إلى: جملة من الملاحظات العامة  التي كنت قد ضمنتها في عرض ألقيته بمناسبة ندوة نظمها أساتذة الفلسفة بالمديرية الإقليمية بالفقيه بن صالح حول:"الفلسفة والقيم" بثانوية علال بن عبد الله؛ ساهمت فيها بمداخلة عنونتها ب:" دور المجتمع المدني النقدي في الدفاع عن خيار الحداثة داخل المجتمع المغربي:"نموذج الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة"، وفي ثنايا الندوة، تدخل بعض الزملاء متحدثين عن ضرورة الإستقلالية والتخلص من الإيديولوجية وعن وهمٍ سمّوه "الحياد !"؛ في المعرفة والتربية والحياة المدنية... وكأني بهم آلات تقنية؛ وهم يتحدثون بوعي أو بدونه، كان الأمر -بالنسبة لي- مثيرا للسخرية أن يصدر عن نخب المجتمع أو من يراهن عليهم المجتمع لترقية وعيه  مثل هذه الإدعاءات الساذجة. وقد أحببت أن أبدأ عرضي أمامهم بقصة للفيلسوف السلوفيني:"سلافو جيجيك" سبق له أن استحضرها في سياق نقده للأوهام الرائجة في حقل التربية اليوم، من قبيل أن المعرفة في العصر التقني متاحة ومنتشرة في كل مكان، وتتعلق الحكاية  بأحد المفكرين الإنجليز الذي حضر ليلقي عرضا وسط الطبقة العاملة، وحينما بدأ كلامه حاول أن يكون "متواضعا" فقال لهم:"أنا لا أدعي المعرفة، ولست بأفضلكم، وقد جئت لأتعلم منكم"، وهو ما جرّ عليه غضب عامل نبيه فقال له مقاطعا:"إذا كنت لا تعرف شيئا، فاترك منصبك لمن يعرف أفضل منك، فنحن ندفع لك من المال العام لتفكر نيابة عنا"، وقد تخيلت جوابا لسلافو جيجك انطلاقا من اطلاعي على بعض كتاباته؛ فلو سألته مثلا: ماهو دور الفيلسوف اليوم؟ فسيقول لك:"الفيسلوف يجب أن يكون طبيبا، وإذا لم يكن كذلك، فنادوا له على سيارة إسعاف".

فلنتفق عزيز القارئ المفترض ولتكن على بيّنة من البداية بأنني لست "محايدا"، فلأكون محايدا، أنا بحاجة إلى ثقب أسود في الفضاء أختفي فيه حتى يتحرك العالم ثم أعود بعد ذلك، لكن مادمت إنسانا، وأعيش داخل مجتمع، ومادمت  أبا ومربيا، فلا وجود لوضع الحياد. أنا هنا أدافع على موقف، قد ينعتني البعض ويقول لي "أنت إيديولوجي"، وسأقول: "أحب أن أكون إيديولوجيا عن وعي مسبق"، لأن القول الأخطر من الإيديولوجيا هو أن تدّعي:"أنك تقيم خارج الإيديولوجيا"؛ لايوجد شخص بنظري خارج الإيديولوجيا، الحيوانات وحدها تعيش بدون إيديولوجيا، أما الكائنات الإنسانية فهي تتنفس  وتعيش بالإيدولوجيا.

 فعندما أقول:"أنا مع مجتمع حداثي"، فإن نقيضه هو القول:"أنا مع مجتمع تقليداني"؛ وحينما تقول:"أنا مع الأصولية"، فأنت في قلب الإيديولوجيا، وذلك راجع لكون نقيض  المجتمع الأصولي  هو المجتمع الحديث/الحداثي، وعليه وجب أن نخلّص أنفسنا من هذه الأوهام، و أن نكف على  نقلها للمتعلمين، وترويجها في الإعلام والنقاشات الحزبية السخيفة -سخافتها ترجع لكونها لا تستند للمعرفة بل هي تكرار لليومي وتعبر عن انسياق أعمى خلف شعاراته- أحيانا سواء جاءت من اليسار أو الأصولية الإسلامية/ الإسلام السياسي.

 أعتقد أنه في عالم  تزايدت فيه حدّة الفوارق والظلم وسوء التوزيع  نحن مطالبون من باب الواجب  أن نختار  لنا موقفا وموقعا، لايوجد في نهاية المطاف وضع للحياد، لابد أن يكون لكل شخص موقف وموقع، ويجب أن تكون له قضية، صحيح أننا لن ندافع عن القضية بنفس العماء والسذاجة التي يدافع بها النقابي والسياسي؛ لأن ما  يحرّكه في الغالب "عندنا" هو  المصلحة الخاصة والضيقة، عكس  الفيلسوف الذي يجب أن  يحمل همّا جماعيا، يحمل همّ الإنسانية، ويحلم بحل مشكلات العصر، وجعل الناس سعداء أو مساعدتهم على خلق أسباب السعادة.

إذن، الفيلسوف والمثقف لا يمكنهما أن يكونا محايدين، أغلب الفلاسفة الذين كانوا محايديين –حسب زعمهم أو تمثّل بعضنا لهم- كانوا منسيين ومقصيين وغير مؤثرين في تاريخ الفلسفة، وحتى إذا أخذنا –مثالا- الأبيقورية التي مجّدت اللذة (إشباع رغبات العضوية البيولوجية )، واتبعت الزهد والتصوف في تدبير الحياة العامة لأنها مؤلمة؛ فكل الأبيقوريين اليوم  يبحثون عن خلاص فردي فقط، الفيلسوف/المتفلسف لايجب أن يبحث عن خلاصه الفردي، صحيح لو كنا في دولة ديمقراطية، وفي مجتمع ديمقراطي تتجسد فيه دولة الحق والقانون ودولة المؤسسات والإعتراف...، كان من الممكن أن نفكر في خلاصنا الفردي بغض النظر عن واجبنا الإنساني تجاه الجميع -لأن المؤسسات تتكفل بالأفراد وتقوم بواجبها الحقيقي تجاههم، وليست مجرد مؤسسات صورية مثلما هو الأمر عندنا-  ولكن مادمنا نعيش في وضع يتميز بالتأخر التاريخي وبالتخلف فلا يمكننا أن نكون بدون موقف.

2.مجتمع الإحسان والخدمات السلطوي الية لإفراغ الفعل السياسي من عمقه

لذلك حينما طلب مني الإسهام في ندوة علمية حول:''دور المجتمع المدني في تعميم القيم الفلسفية"، اقترحت أن أميزه عن مرادفه  كما يستعمل في الإعلام والدعاية السلطوية،لذلك أضفت له النعت "النقدي" أي "المجتمع المدني النقدي"؛ ومن الواضح أن مفهوم المجتمع المدني من المفاهيم التي غدت اليوم مستهلكة، فحتى ثلاثة أفراد داخل حي قد يؤسسون جمعية فتنادي عليهم الباشوية أو مجلس البلدية، و قد تنادي عليهم العمالة و الولاية، سيقدمون أنفسهم بصفتهم مجتمعا مدنيا وستنشر السلطة البلاغات عن لقائها بالمجتمع المدني !.

يمكن القول بأن مفهوم المجتمع المدني في هذا السياق  تم تشويهه وإفراغه من بعده النقدي والسياسي إلى درجة لم يعد واضحا منذ إطلاق مشروع "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، بل زاد معها –أقصد المبادرة- تشويها في الإستعمال وحمولة المضمون، وعليه صار من الضروري ومن المفروض على المشتغلين بالفلسفة والعلوم الإنسانية والفلسفة السياسية و"خبراء القانون ومراكز الدراسات الإستراتيجية في القنوات الإعلامية ! " أن يعودوا  إلى تاريخ الفلسفة وإلى تاريخ المفهوم ليؤصّلوه حتى يتعرف المعنيون به، والفاعلون فيه، وليدرك كذلك المهتمون والمستعملون له: ماهي الدلالات التي يحملها مفهوم المجتمع المدني؟ومن هم الفاعلون المدنيون؟ .

3. في ضرورة العودة للأصول اليونانية والرومانية

ضمن هذا الإطار، لابد من الناحية الإبستمولوجية من العودة  إلى الأصول الإغريقية والرومانية التي عرفت ميلاد المفهوم -قد يعاتبني البعض على عدم الإعتراف بتراث الحضارات القديمة- ويرجع هذا الإهمال للسابقين على اليونان لإعتقادي وقناعتي الراسخة  بأن الذي كان يفكر في المصير المشترك للمدينة/الدولة في الحضارات القديمة  كان هو "الواحد" أي الحاكم/الإله؛ بينما الأمر عند الإغريق كان مختلفا تماما، حيث صار همّ المدينة/الدولة POLIS - مصيرها ومشكلاتها- لايفكر فيها شخص واحد  -الحاكم/الإله كما هو الشأن عند المصريين القدماء أو في آسيا أو الصين القديمة...-  بل صار "الجميع" يحمل همّ المدينة، و أصبح التفكير في المدينة/الدولة من الواجبات، من واجبات المواطنة أن ينخرط الجميع في حمل همّ المدينة والتفكير في مصيرها، وفيم يجب أن يقوم به وينجزه الفرد داخلها. لذلك ركزت على اليونان، فعندهم  نجد الإرهاصات الأولى والراشدة  للتفكير بشكل مبكر في مفهوم المجتمع المدني .

تكمن عظمة اليونان والرومان أيضا في هذا المجال –حقل الفلسفة السياسية- في كونهم أول من استشعر القدرة على التمييز وعزل كل من مفهوم "السياسي" عن مفهوم "السياسة"، وهو ما نلمسه أيضا في كتابات كل من:''إرنست لاكلو  وشانتال موف''، فالسياسة بوصفها ممارسة ارتبطت بالرومان وكانت من نصيبهم، بينما مفهوم "السياسي" باعتباره تفكيرا في المبادئ والقيم والأسس والقيم السامية والمشتركة والمتعالية التي تجعل مجموعة من المختلفين في الرأي والتصور والاعتقاد ميّالين للعيش مع  بعضهم البعض رغم كل  الاختلافات الحاصلة بينهم  كان من حظ  الإغريق، لقد كان الإغريق بارعين من حيث التفكير في تلك القيم التي تسمح لمجموعة من المختلفين في أرض معينة بأن يعيشوا مع بعضهم البعض؛ انظروا إلى بعضنا البعض في هذا الوطن مثلا: ففي القاعة أو الحي أو المقهى الذي توجد فيه الآن عزيزي القارئ المفترض قد  توجد إناث ويوجد ذكور، يوجد كبار وصغار، أبيض وأسود، عربي وأمازيغي وأجنبي ربما...، ورغم ذلك نعيش مع بعضنا البعض ونشعر بنوع من ''التآلف''، فالذي فكر في هذا الشيء المتعالي/المجهول الذي يمنح لنا إمكانيات القبول بالعيش مع بعضنا البعض هم اليونان؛ بينما الذي سيضع لهذا المفهوم -مفهوم السياسي- القواعد هم الرومان، فالرومان كانوا بارعين في التشريع للقوانين؛ تقنين هذه القيم والمبادئ التي تسمح لنا بالعيش مع بعضنا البعض؛ أما اليونان فقد استطاعوا تمثّلها وتصورها والتفكير فيها  نظريا، وضمن هذا السياق يمكن إدراج ''الجمهورية لأفلاطون" و "الأخلاق إلى نيقوماخوس والسياسة لأرسطو"؛ فحينما يقول أرسطو في كتابه "السياسي" ويكرر ذلك في كتب أخرى بأن الإنسان: "حيوان سياسي'' ماذا يجب أن نفهم من ذلك؟، نفهم منه: أن الإنسان يشترك في العضوية البيولوجية مع الحيوان؛ لكن ما يميزه هو كونه  يميل إلى العيش مع بني جنسه بطبيعته وتدبير ممكنات التعايش معهم، فالطبيعة هي التي وهبته وأهّلته لذلك؛ لكن منهجيا نحن مطالبين بالحذر الإبستمولوجي: فعند أرسطو يجب أن ندرك أن العيش داخل جماعة بشرية والعيش داخل جماعة مدنية سياسية كانا سيّان، فلم يكن لدى اليونان وحتى عند أرسطو نفسه تمايزا واضحا  بينهما، لكن في عالمنا اليوم: هل كل كائن بشري/اجتماعي بالضرورة هو كائن مدني/سياسي؟ الجواب " لا"؛ ليس كل كائن اجتماعي هو كائن مدني، لأننا نجد العديد من الأشخاص يمشون ويأكلون كالأنعام ولكن هل يحملون همّ المدينة؟ هل يفكرون في المصير المشترك؟ هل يحملون همّ العالم؟ "لا"، بنظري لا يحملونه مطلقا، وياحسرتاه على أوطاننا حينما نسيء فهم الفردانية ونتمثلها بوصفها نرسيسة مقيتة ! .  

من هنا يجب أن نستوعب أن هناك تمييز معاصر بين الكائنات البشرية/الإجتماعية والكائنات السياسية/المدنية، لكن عند اليونان لم يكن ذلك ممكنا لشروط وظروف ثقافية وحضارية؛ ورغم ذلك تعتبر اللحظة اليونانية لحظة متميزة، فمع أرسطو  تحددت الشروط التي تسمح بنظره إذا توافرت لجماعة بشرية ما أن تنتقل من مستوى البربرية والتوحش إلى المستوى المدني/السياسي، و حصرها في  أربعة شروط أساسية:

1- الشرط الأول: كل كائن اجتماعي لكي يصير مدنيا يحتاج إلى الذكاء، الذكاء هنا ليس كما نعرّفه اليوم أو نعرفه في العلوم العصبية الحديثة، بل يقصد بالذكاء في هذا السياق الحضاري القدرة على استخدام العقل، والقدرة على النظر العقلي، فالعامل اليدوي لايستطيع أن يكون مدنيا، فالطبيعة أقصته من ذلك والتراتب الأرسطي معروف في هذا الباب، الطبيعة لا تفعل باطلا.

2- الشرط الثاني: لكي يكون هناك مجتمع مدني-أي ليتم الانتقال من البربرية والتوحش إلى الحالة  المدنية/السياسية- نحتاج إلى المهارة التقنية؛ يقتضي الإنتقال هنا من مستوى الكائنات الإجتماعية إلى مستوى الكائنات المدنية أن يمتلكوا الحد الأدنى من المهارات التقنية.

3- الشرط الثالث: وهو شرط يقوم على "الشجاعة" باعتبارها  مطلبا أساسيا، لايمكنك أن تكون كائنا مدنيا وسياسيا، ما لم تكن لك "الشجاعة"؛ هنا تجدر الإشارة والتذكير بنص كتبه في القرن 18 الفيلسوف "إيمانويل كانط" عرّف فيه التنوير:"بأنه جرأة  وشجاعة في استخدام العقل"، وهنا يجب أن نعرف أن هذا المفهوم -الشجاعة- يونانيّ الأصول، فكانط نفسه كان يفترض أن الشجاعة هي المدخل للتنوير/الحداثة، فالإنخراط في المدنيّة والإنتقال إليها يقتضي الشجاعة بنظره، والشجاعة هنا لا تعني القدرة على استعراض العضلات وتنميّتها،  فلو كانت الشجاعة  ترتبط باستعراض العضلات لكان الحمار الوحشي و وحيد القرن سياسيان في مملكة الطبيعة !؛ المقصود بالشجاعة في هذا المقام:"شجاعة الرأي وشجاعة الموقف"، يجب أن تكون لك القدرة على قول "لا" حينما يقول الجميع "نعم"، إذا كان الموقف يقتضي قول "لا"، الشجاعة هي القدرة على مواجهة الموت بالمعنى اليوناني العميق، ماذا فعل سقراط حينما فضّل أن يشرب السم على أن يهربه تلامذته ليلا؟؛ الشيء الذي فعله  هو كونه  كان شجاعا في مواجهة  الموت، لأنه كان يدرك بأنه لكي يكون كائنا مدنيّا، أي حيوانا سياسيا  بلغة "أرسطو"، عليه أن يقوم بواجبه تجاه أثينا، هذا ما فعله سقراط  وحتى وإن كان الأمر مكلّفا فقد مات ميتة جميلة !. 

4- الشرط الرابع والأخير: وهو الفضيلة، فلكي يحصل لمجتمع  ما الإنتقال من مستوى الكائنات البشرية/الإجتماعية، إلى مستوى الكائنات المدنية/السياسية، يجب أن تتوفر فيهم الفضيلة، وخاصة في الذين يقودونهم وينيرون طرقهم، لذلك كان كل سياسي حتى وإن  توفر  فيه شرط  الذكاء والمهارات التقنية والشجاعة وغابت الفضيلة فمصيره أن يكون سياسيا فاشلا لايخدم غير مصالحه والمنتفعين معه، وهو ما يعتبر لدى اليونان ضد قيم المدينة وخيانة كبرى لروح المدينة/الدولة POLIS   وكان الثمن هو الحكم عليه بالموت.

يتبع





التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك