الرئيسية | فكر وثقافة | قراءة نقدية لإصدار جديد:عن سيرة ابن باجة وأعماله قول في شكليات البحث والأمانة العلمية

قراءة نقدية لإصدار جديد:عن سيرة ابن باجة وأعماله قول في شكليات البحث والأمانة العلمية

بواسطة
قراءة نقدية لإصدار جديد:عن سيرة ابن باجة وأعماله قول في شكليات البحث والأمانة العلمية حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

صدر لجمال راشق، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاضي عياض بمراكش، كتابٌبعنوانين، وعن داري نَشْر، وبرقمي إيداع قانونيورَدَمِكين مختلفين تماما[1]. فقد صدر الكتاب العام الماضي، 2016، عن دار النشر: فضاء آدم،في مراكش، بالعنوان الآتي:ابن باجّه فيلسوف سرقسطة وفاس 533ه- 1139 سيرة وأعمال؛ وصدر الكتاب نفسه هذا العام، 2017،عن مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث،في الرباط، بالعنوان الآتي: ابن باجّه: أبو بكر محمد بن يحيى ابن الصائغ التجيبي السرقسطي الأندلسي (ت. 533هـ/ 1139م): سيرة وببليوغرافية.[2]

وبطبيعة الحال فإن الإصدارين، أو لنقل النشرتين،قد حملتا المضامين ذاتها، لكن لا بأس من الإشارة إلى بعضالأمور والتفاصيل التيانفردت بهانشرة الرباط بالقياس إلى نشرة مراكش.فقد انفردتأولا بتصديرللجهة الناشرة،وبترجمتيه الفرنسية والإنجليزية،وبملخص فريدبالإسبانيةCompendio؛ وإلى ذلك،فقد عرفت تقديما وتأخيرافي ترتيب كلمة المؤلف والتصدير والتقديم، وتغييرا في بعض عناوين المحتويات، حيث حصل إبدال وحذف؛ غير أن اللافت للانتباه عند المقارنة الشكلية بين النشرتين أمران: أولهما حذف الجزء من العنوان، الذي ينص علىالهوية الفلسفية لابن باجة، أعني:”فيلسوف سرقسطة وفاس“، وإبداله باسمه وبنسبه الكاملين، بطريقة لا تظهر فيها هوية الفيلسوف فوق الغلاف الخارجي لنشرة الرباط. وثانيهما، خلو هذه النشرة من الإهداء الخاص الذي دبج به نشرة مراكش.[3]ولكن، على الرغم من كل هذه الاختلافات الشكلية، فإن النشرتين لم تعرفا أي تغيير في مضامينهما.

يعرف المهتمون أن أول دراسة بيبليوغرافية مستوفاة عن أعمال الفيلسوف الأندلسي ابن باجة،إنما كانت من تأليف المرحوم جمال الدين العلوي، وقد صدرت عام 1983 بعنوان مؤلفات ابن باجة[4]؛ وما تزال الأطروحة المركزية فيها تتمتع بالقوة والجاذبية، رغم كل الكلام الذي أثارته وتثيره. ومعروف أيضا محدودية المعطيات والوثائق التي كانت بيد الراحل في ذلك الزمن. ومن ثم، فأن يصدر كتاب، بعد ثلث قرن من الزمان،في المجال ذاته عن دارس تتلمذ للعلوي، من شأنه ذلك أن يفيد التراكم العلمي بخصوص هذا الفيلسوف وأعماله، خاصة في المغرب الذي عرف اهتماما مشهودا به. وفي الواقع، إن معطيات وأحداثا قد استجدت في ملف ابن باجة؛ فقد ظهرت مخطوطات جديدة، ونُشر بعضها، وكَثرت الدراسات والتأويلات بخصوص جوانب من فلسفته. لذلك، فإنه أمر طبيعي، بل واجب، أن ينجز كتاب جديد عن سيرة ابن باجةوأعماله،وأن يحمل جديدا بالقياس إلى ما مضى.

وجمال راشق على وعي تام بأهمية الخطوة التي هو مقدم عليها، كما أنه عارف بالمجال الذي يكتب فيه، فقد أنجز رسالته الجامعية عن ابن باجة؛ وكل أعماله، دراسةً وتحقيقًا، عن هذا العَلَم.[5]ولذلك نجده يقدم بنفسه عملَه قائلا عنه إنه يتضمن:

«عرضا وافيا لسيرة ابن باجّه استقصيتُ فيه كل ما كتب عنه في مؤلفات التراجم والطبقات، وجمعت ما تفرق فيها – وفي غيرها من كتب الأدب- من أشعاره وعطائه في الموسيقى.[6]

-       وصفا دقيقا للمخطوطات التي تضم أعماله.

-       تحقيقا لنصين مهمين لابن باجّه، ورد أولهما كتصدير لمخطوطة برلين، وهو ينشر لأول مرة، وثانيهما تصدير ابن الإمام في مخطوطة أكسفورد وقد سبق نشره من طرف ماجد فخري.

-       مسردا وافيا بكل[7] أعمال ابن باجّه ورحلتها في التحقيق والترجمة.

-       إلماعا إلى حضور العطاء الباجي في التراث العبري واللاتيني.

-       ترتيبا كرونولوجيا لمؤلفات ابن باجّه، انطلاقا من الإحالات والإشارات الداخلية المبثوثة في مختلف أعماله.

-       تقديما لببليوغرافية وافية عن هذا الفيلسوف كما وردت بمختلف اللغات.»[8]

هذه هي مكونات كتاب راشق؛ ونحن لن نقف عند جوانب الجدة التي سجلها في كتابه هذا، فلا نشك في حصول مجهود على مستوى تجميع الوثائق والمخطوطات ووصف بعضها،وفي إصلاح مصنف جمال الدين العلوي ومحاولة الاستدراك عليه في جوانب بخصوص مؤلفات ابن باجة وترتيبها، وهو أمر لا يفتأ راشق يؤكد عليه. ولنا أن نُمَثِّل لما نقول بأمرين: الأول هو أن راشق قد خصص، على غرار ما فعل العلوي، جزءا من كتابه للحديث عن أعمال ابن باجة في المخطوطات المعروفة. والظاهر أنه قد تجمع له منها ما لم يكن في متناول العلوي. فعلى سبيل المثال، لم يكن لهذا الأخير،في سنوات اشتغاله على مؤلفات ابن باجة، من مدخلٍإلى مخطوطة برلين بالنظر إلى أنها كانت مفقودة عندئذ؛ ما جعله حبيسَ أقوال المفهرسين. وأما الأمر الثاني، فإن الجانب الموسيقي واللحني في حياة ابن باجة واحد من أهم الجوانب التي شغلت الدّارسين؛وقد سجل راشق في هذا الجانب إضافة بالقياس إلى سلفه، حيث جمع أخبار فيلسوف سرقسطة الموسيقية واللحنية.[9]

ولن نقف كذلك بالنقد والتقويم عند كل أجزاء الكتاب، فذلك يخرج عن تقليد القراءات النقدية للكتب، وهو غرضنا الأول والأخير في هذا القول. لذلك، نقترح أن ننظر في البداية في هوية الكتاب، وفي لحظة ثانية،في البناء الداخلي للكتاب؛ ثم في لحظة ثالثة، سنقف عند بيبليوغرافيا الكتاب، وفي لحظة رابعة،ننظر في منجز راشق بالقياس إلى جمال الدين العلوي وسلفيا دي دوناتو؛ وأخيرا سنقف عند السرقة العلمية التي ارتكبها راشق في حق كتاب العلوي المشار إليه.

ولا بد لنا قبل الدخول في التفاصيل أن نقول، رفعًا لكل التباس،إن القصد من هذه القراءة ليس تخسيس صورة المؤلف في أعين القوم، ولا تبخيس المؤسسة الناشرة،لا ولا التدخلات الكريمة التي حصلت من أجل إخراج هذا العمل- إذ المؤلف وحده هو من يتحمل مسؤولية عمله وأفكاره-وإنما القصد هو التعبير، كتابةً وتقييدًا،عن تفاعل نقدي مع الكتاب، سعيا لتجويده وإصلاحه، إن أمكن ذلك، في نشرات لاحقة.

أولا: بيبليوغرافيا أم بيوبيبليوغرافيا

ينقسم الكتاب إلى 18 وحدة بتقديمين وتصدير، هذا فضلا على تقديم المؤلف نفسه، والذي عنونه بـ”بين يدي الكتاب“. وإلى ذلك، يحمل الكتاب بين دفتيه العناصر التالية: سيرة ابن باجّه [أو ”حياة ابن باجّه“ في نشرة الرباط]، وتواليف ابن باجّه المخطوطة في مختلف خزائن الكتب في العالم، ووصفًا لمخطوطات الإسكوريال وبرلين وأكسفورد وطشقند وتركيا، وتقديما لتواليف ابن باجّه المنقولة في التراث العبري واللاتيني وتصديرين لمخطوطتي أكسفورد وبرلين، وإحصاءً مؤلفات ابن باجّه كما وردت في المخطوطات الموجودة اليوم مع التحقيقات والترجمات، ومحاولةً في الترتيب الكرونولوجي لمؤلفات ابن باجة، والببليوغرافية الباجية المكتوبة باللغة العربية والببليوغرافية الباجية المكتوبة بغير اللغة العربية.

وعليه،فالكتاب ينتمي، من حيث محتوياته، إلى جنس البيوبيبليوغرافيا أو السيرة الببليوغرافية؛ وهي التي تُعنى «بدراسة شخصية معينة، تبحث في حياته وفي إنتاجه العلمي مخطوطه ومطبوعه وحتى فيما ألف عنه من أبحاث ودراسات.»[10]لكن العنوانين اللذين وضعهما المؤلف لنشرتي كتابه يدفعان المرء إلى التساؤل عن مدى التزامه بمقتضيات التأليف في هذا الجنس؛ إذ تشير النشرة الأولى إلى ”سيرة وأعمال“ وتشير النشرة الثانية إلى ”سيرة وببليوغرافية“؛ وكلاهما دون السيرة الببليوغرافية.

ولا يخلو التأليف في هذا الجنس من الموضوعات من صعوبات وعوائق. ولا تكمن هذه في ندرة المعطيات وقلتها، وإنما أيضا في وجود تقاليد علمية وحصول تراكم لا يمكن تجاهله،سواء عن أعلام الفلسفة الإسلامية، أو عن ابن باجة، موضوع هذا الكتاب. والمعروف أن ابن باجة، على سبيل المثال، كان موضع اهتمام الدارسين منذ زمن، وهؤلاء كلهم يشهدون بقلة المعلومات المساعدة على بناء حياته الفكرية والعلمية. وفضلا عن الجزء المهم المخصص لحياة ابن باجة وأعماله في بعض كتابات محمد الصغير المعصومي[11]وجورج زيناتي[12]ودوغلاسدانلوب[13]وغيرهمم، فإن كتاب الراحل جمال الدين العلوي عنمؤلفاتابن باجة يُعتبر عملا بيبليوغرافيارائدا في هذا الباب[14]. ولا بد أن نشير أخيرا إلى الدراسة البيو-ببليوغرافية المهمة التي أنجزها كل من لومبافوينتس وبويرتا فلشيز، وقد صدرت في بداية القرن العشرين، وهي أجود ما أُلف في هذا الجنس بعد عمل جمال الدين العلوي.[15]وعلى الرغم من أهمية هذه الدراسة، فإن راشق يكتفي بنقل ترتيبه لمؤلفات ابن باجة بشيء من التحريف ودون مناقشة.[16]

على غيرعادة السير الببليوغرافية، بدأ المؤلف الحديثَ في القسم الخاص بسيرة ابن باجة من مرحلة الشباب، بل بالفترة التي كان فيها وزيرا لابن تيفلويت،[17]حيث لايفوز قارئ هذا الجزء من الكتاب بأية إشارة تذكر إلى تكوين ابن باجة الأدبي والعلمي والفلسفي، ولا إلى شيوخه، ولا من أجازه،فضلا عن عائلته.وطبعا لا يعود الأمر إلى راشق -أو بالأحرى إلى عبد الصمدالبلغيثي[18]، مؤلف الجزء الخاص بحياة ابن باجة وسيرته- وإنما إلى شح المعلومات بخصوص هذه المرحلة من حياة الرجل، كما أشرنا من قبل. أمام هذا النقص، تظل كتابات ابن باجة الملجأ الوحيد لإعادة بناء سيرته الفكرية. وفي هذا الجانب أيضا، لا يجد المرء في الكتاب أية إضافة بالقياس إلى ما هو معروف منذ عمل العلوي.غير أنهفي الصفحة 31 من نشرة مراكش (والصفحة 30 من نشرة الرباط)تحصل الإشارة إلى تكوين ابن باجة، وهي إشارة نَجدها غريبة. فاعتمادا على شهادة ابن طفيل الفريدة، يقول راشق أو البلغيثي: «من الواضح أن ابن باجة قد بدأ تكوينه بعلوم التعاليم التي كانت المدخل الأول للفلسفة، لطبيعتها العلمية وحاجة العصر لها، لكن المنطق والطبيعيات شكلا مرحلة حاسمة في تكوينه المعرفي وظهور تواليفه الفلسفية.»وفضلا عن أن هذا ما كان العلوي قد قال به منذ أكثر من ثلث قرن، فإن القارئ لا يجد في كتاب راشقما يثبت بوضوح هذا التكوين الرياضي، ولا ما يثبت حاجة عصر ابن باجة إلى علوم التعاليم.

ثانيا: عن نظام الكتاب

يشكو كتاب راشق عطبا جوهريا، وهو أن أجزاءه لا رابط بينها، إذ يبدو وكأنها كتبت لتكون عبارة عن وحدات مستقل بعضها عن بعض؛ وهي أبعد من أن تكون قد كتبت بتصور كتاب كامل. فالكتاب لا مقدمة له، اللهم إذا اعتبرنا الصفحتين المعنونتين”بين يدي الكتاب“مقدمة. كما أن الكتاب لا خاتمة له، وهو أمر مستغرب حقا؛ ولا يحمل الكتاب تقسيما صريحا إلى فصول وأجزاء منفصل بعضها عن بعض، دونما أدنى إشارة إلى ما يربطها أو يجمعها ضمن كتاب. وإلى ذلك، فإن أجزاء الكتاب ووحداته قد حصل فيها اضطراب غير مفهوم. وظلت بعض الأجزاء من الكتاب التي ألفت بشكل مستقل تحمل مقدماتها الأصلية، ولم تراجع وتدمج ضمن وحدة الكتاب. فالجزء المعنون ”محاولة في الترتيب الكرونولوجي لمؤلفات ابن باجة“ يقدم لنا ابن باجة وكأنه يُذْكَر عنه لأول مرة؛ والأمر ذاته ينطبق على الصفحات المخصصة لحضور ابن باجة في التراثين العبري واللاتيني.

يمكن تفسير الاضطراب الواضح في الهيكلة العامة للكتاب بكونه قد ألف على مراحل متباعدة نسبيا في الزمن فضلا عن تدخل أطراف غير المؤلف في كتابة العمل؛ لكن عادة المؤلفين والمحررين معروفة في إعادة دمج الأجزاء ضمن تصور كلي يضفي نوعا من الوحدة على أطراف الكتاب. ويبدو أن الجزء الذي يحمل عنوان ”محاولة في الترتيب الكرونولوجي لمؤلفات ابن باجة السرقسطي“ الذي أُعدت صيغته الأولىعام 2006 ونشر في2010، وأعيد طبعه ضمن الكتاب، هو نواة الكتاب[19]، كما يسميه راشق، وقد غطى 43 صفحة من الكتاب. وإلى ذلك، فإن ”سيرة ابن باجة“ أو ”حياة ابن باجة“ هو عنوان الجزء من الكتاب الذي يقع بين الصفحتين 19و 62 في نشرة مراكش، وبين الصفحتين 17-62 في نشرة الرباط. ويعد هذا الجزء وحدة قائمة بذاتها يمكن قراءتها منفصلة عن بقية الأجزاء أو الوحدات. فهو مكتوب في وقت لاحق عن بقية الأجزاء ويحمل بيبليوغرافيا خاصة به، بل أكثر من ذلك، إنه جزء يحمل توقيع مؤلف ثان، حيث يشير راشق نفسه في بداية هذا الجزء إلى ما يلي: «أنجز قسم كبير من هذه السيرة من طرف الطالب الباحث عبد الصمد البلغيثي تحت إشرافي وتوجيهاتي، ثم أغنيتها لاحقا بعدد من المعطيات، وخاصة ما يتعلق بالإرث الموسيقي لابن باجة.»[20]

ونسجل،في ما يلي، بعض الملاحظات السريعة التي تهم اضطراب أجزاء الكتاب:

-  يورد راشق أشعار ابن باجة في الجزء الخاص بسيرته؛ ومن ثم جاءت أشعار هذا الأخير جزيرة منفصلة عن بقية أعماله الفلسفية والطبية. ولا نحتاج إلى التأكيد أن الموضع اللائق بإيراد هذه الأشعار، إنما القسم الخاص بأعماله، كما حصل في دراسة العلوي. وهكذا، فقد حصل خلط واضح بين التكوين الأدبي والموسيقي لابن باجة، وبين ممارسته للموسيقى وقرضه الشعر؛ فإذا كان التكوين يقتضي ذكر شيوخه أو الكتب والأعمال التي اطلع عليها ودرسها والأشعار التي حفظها، وهذا جزء لا يتجزأ من حياته، ويجب أن يذكر في موضعه المناسب، فإن ممارسة الموسيقى وقرض الشعر داخلان بالأحرى في الجزء الخاص بأعمال الرجل؛ وهذا أمر معروف. ومن هنا، فإن الصفحات من 38 إلى 57 (نشرة مراكش)،والتي تحاول رصد الاهتمامين الموسيقي والشعري لابن باجة ليست في مكانها المناسب من الكتاب.

- يجد القارئ في الصفحة 19 من نشرة الرباط (= نشرة مراكش، ص 120) العنوان التالي: ”تصدير مخطوط أكسفورد“ لكن راشقيقدم، في المضامين، تصديري مخطوطي أكسفورد وبرلين.

- يجد القارئ في نشرة مراكش ما يشبه المقدمة (الصفحتان 11-12) من قبل جمال راشق، ثم بعد ذلك في الصفحة 13 عنوانا رئيسا:”ابنباجه: أبو بكر محمد بن يحيى ابن الصائغ التجيبي السرقسطي (533/ 1139)“. بعد هذا العنوان الرئيس يُفاجأ القارئ بتقديم الكتاب (15-17). ولسنا نحتاج إلى التذكير بأن الأعراف الأكاديمية تقتضي أن يكون التقديم هو فاتحة الكتاب، لا أن يُحشر بشكل مفاجئ وعشوائي بعد الشروع في أجزاء الكتاب.

-   في الصفحة 63 من نشرة مراكش، يجد القارئ العنوان التالي: ”تواليف ابن باجة المخطوطة في مختلف خزائن الكتب في العالم“، ثم يقلب القارئ الصفحة الموالية ليجد نفسه أمام عنوان مختلف تماما، هو: ”محاولة في الترتيب الكرونولوجي لمؤلفات ابن باجة السرقسطي“ (ص 65-66). وبعد صفحتين من التقديم، يجد القارئ نفسه في الصفحة 65 عائدا إلى العنوان الأول: ”تواليف ابن باجة المخطوطة في مختلف خزائن الكتب في العالم“. وهذا الخلل في تصفيفالكتاب لا يوجد في نشرة الرباط. لكن هذه النشرة بدورها لم تسلم من خلل مشابه، حيث يجد القارئ نفسه في الصفحة 63 أمام العنوان التالي: ”تواليف ابن باجة المخطوطة في مختلف خزائن العالم.“ وبعد صفحتين من التقديم، يجد القارئ عنوانا آخر: ”محاولة في الترتيب الكرونولوجي لمؤلفات ابن باجة السرقسطي“، (ص 65).

-   وإلى ذلك، ففي الوقت الذي كان جمال راشق يستعرض ”محاولة خواكيملومبافوينتس في ترتيب مؤلفات ابن باجة“ قفز (في الصفحة 168 من نشرة الرباط؛ و167 من نشرةمراكش) على نحو مفاجئ إلى الحديث عن محاولته هو؛ والحال أن القارئ سيجد في الصفحة 196 من نشرة الرباط العنوان التالي: ”ترتيب مؤلفات ابن باجة: محاولة جمال راشق“.

هذه الأعطاب التي مست هيكلة الكتاب ونظامه مدعاة إلى إعادة تبويبه وضبطه، حتى تصبح قراءتهسلسةوغير متقطعة.

ثالثا: ملاحظات عن البيبليوغرافيا

تعد البيبليوغرافيا جزءا محوريا من عمل جمال راشق، بل إن هذا العمل قد عُدّ في تصدير الكتاب «عملا بيبليوغرافيا رائدا»[21]. ومع أن العمل أدخلُ في باب البيوبيبليوغرافيا أو السيرة البيبليوغرافية، فإن البيبليوغرافيا تظل جزءا مركزيا منها.ولذلك يفترض بها، أعني البيبليوغرافيا، أن تكون شاملة ومُحينةونقدية حتى تستوفي هوية العمل البيوبيبليوغرافي.غير أن المتصفح للكتاب عموما، ولتلك البيبليوغرافيا المقترحة من قبل راشق في نشرتي مراكش والرباط، وهي تلك التي تحمل العنوان الآتي: (”بيبليوغرافية عامة عن ابن باجة: نصوص، ترجمات ودراسات، باللغة العربية واللغات الأجنبية“: ص 195-230 من نشرة مراكش؛ و201-231 من نشرة الرباط) ومقارنتها بتلك التي حملتها نشرة الرباط لا بد أن يستوقفه ما يلي:

1.    تكرار القسم غير العربي من البيبليوغرافيالبعض العناوين الواردة في القسم العربي من البيبليوغرافيا. فمن أصل 219 عنوانا يوجد 35 عنوانا عربيا مكررا، مكتوبا بحروف لاتينية تكاد تكون كتابتها فاسدة (نحيل على نشرة الرباط). وهذا التكرار غير مفهوم إلا من حيث إن أطرافا من هذه البيبليوغرافيا كانت ملحقة بدراسات مكتوبة بغير العربية، وقد استنسخها راشق دون تنقيحها وغربلتها؛ وإلا فلماذا اقتصرت الكتابة اللاتينية (transliteration)على بعض العناوين دون غيرها من العناوين؛ ثم أية حاجة بالقارئ العربي إلى أن يطلع على عناوين أعمال لابن باجة أو عنه بالعربية مكتوبة بحروف لاتينية؟ لعل جزءً من الجواب يجده القارئ عندما يقارن بين بيبليوغرافيا راشق وبيبليوغرافيا دارسين آخرين، كما سيظهر في الملاحظة الرابعة. 

2.    يورد راشق معطيات لا وجود لها، وأخرى لم يطلع عليها مباشرة. فهو يشير إلى بعض العروض الشفوية التي لا تفيد القارئ المستقبل بأي شيء (مثال العنوان رقم 32 من القسم غير العربي، من نشرة الرباط)، بل وإلى عروض لم تحصل قط (مثال العنوان رقم 2 من القسم العربي) وإلى عناوين مقالات لا صلة لها بموضوع ابن باجة (مثال العنوان 94 من القسم العربي). ويذكر راشق عناوين لكتب ودراسات لم تستثمر بالمرة في مواضعها من الدراسة (مثال العنوان رقم 49 من القسم غير العربي، الذي له تعلق بإسهام ابن باجة الرياضي وبسيرته العلمية).

3.    يدل ما سبق على أمر آخر يجدر بنا تسجيله هنا، وهو أن راشق لم يطلع على جميع الأعمال الواردة في القائمة الببليوغرافية مباشرة، بل الأقرب أن يكون قد نقلها عن بيبليوغرافيات وسير علمية لباحثين آخرين، وهو أمر يظهر بجلاء عندما نقارن بيبليوغرفيا راشق ببيبليوغرافيالومبافوينتسفي أعماله عن ابن باجة، حيث يظهر أن الأول ينقل عن الثاني، دونما فحص، من أعمال هذا الأخير ومن دراسات أخرى.[22] وإلى ذلك، فإن كتابة راشق للبيبليوغرافيا بغير العربية قد أصابها السقم والنقص في حالات كثيرة جدا، وأخلت بشروط الكتابة السليمة للعناوين ولأسماء الأعلام (أمثلة من العناوين رقم 2، 8، 13، 21، 74، 89، 130...)[23]. ثم إن بيبليوغرافيا راشق غير مستوفية لما نشر عن ابن باجة إلى درجة تجعل المرء يتساءل عن مغزى تكرار عناوين دراسات متجاوزةأو غير وثيقة وإغفال العشرات من العناوين ذات التعلق المباشر بالموضوع. وفي كل الأحوال، فإن البيبليوغرافيا لا تعكس ادعاء راشق معرفته الكاملة بكل التراث الباجي وبكل الباجيين، وهي من ثم أحوج ما تكون إلى مراجعة وإصلاح وتحيين.[24]

رابعا: راشق، والعلوي، ودي دوناتو

أشرنا في البداية إلى بعض جوانب الجدة في كتاب راشق بالقياس إلى ما ألف في الموضوع من قبل، لكن أجزاء كثيرة من الكتاب بمثابة إعادة إنتاج لأمور قيلت من قبل. ولإظهار هذا، سنثير أمرين اثنين: الأول هو أن راشق يكرر عمل جمال الدين العلوي في الكثير من المواضع، وسنظهر أدناه كيف يستنسخه حرفيا دون الإشارة إليه؛ وقبل ذلك، نود أن نشير هنا إلى أن راشق يستعيد ما قام به العلوي من جمع لأشعار ابن باجة. فالصفحات 47- 51 من عمل راشق (نشرة مراكش) هي ذاتها، أو تكاد، الصفحات 138-144 من عمل العلوي؛ والفرق هو أن العلوي لم يكتف بنقل ما يورده الفتح بن خاقان في قلائد العقيان من أشعار لابن الصائغ، وإنما يورد أيضا كلام الفتح فيه، بينما يجتهد راشق لحذف هذا الكلام أو تلخيصه، والاكتفاء بإيراد الأشعار وتحديد بحورها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مطمح الأنفس للفتح أيضا (نشرة مراكش: 53-54؛ العلوي، ص 145). ويمكن قول الشيء ذاته عن نفح الطيب للمقري، حيث استُعيدت الأشعار التي أوردها هذا الأخير لابن باجة (نشرة مراكش: 52؛ وقارن العلوي، ص 151-152)، والسيوطي (نشرة مراكش 55؛ العلوي، ص 152). ومثل ذلك حصل مع ابن خلدون (انظر نشرة مراكش، ص 39؛ والعلوي، ص 148). وفي تقديري، لم يكن هناك من داع لتكرار ما كان العلوي قد قام به؛ والمستغرب أن راشق لا يشير إلى منجز سلفه، وكأنه هو من جمع هذه النصوص لأول مرة.

الأمر الثاني الذي يظهر فيه عمل راشق دُونَ ما كتب عن الموضوع، متعلق بما دوّنه من ملاحظات عن تواليف ابن باجة المنقولة في التراث الفلسفي العبري واللاتيني. ومع أن أهمية التلقي الذي حصل لفكر ابن باجة في الغرب صارت مقررة بين الدارسين اليوم، فإنه لم يحظ في عمل راشق بأكثر من صفحتين ونصف. ويجب أن نُذَكِّر أنّ لا شيء في الكتاب يدل على أن راشق كان مستعدا لمعالجة الحضور الباجي في التراثين العبري واللاتيني، لأن ما خصصه لهذا الموضع من البحث جاء معيبا وفاسدا، شكلا ومضمونا، فضلا عن كونه عالة فيه على أعمال غيره:

أولا، يبدو لي أن هذا الجزء لم يكتب أصلا باللغة العربية، ولا من قبل جمال راشق، وإنما الظاهر من الأسلوب ومن المقارنة ببقية أجزاء الكتاب، أنه نقل إلى العربية من نص فرنسي بقلم سيلفيا دي دوناتو بطريقة ظاهرة الفساد والركاكة والارتباك. وإلى ذلك، فإن هذا الجزء لا ينصهر ضمن أجزاء الكتاب، وإنما يمكن قراءته كوحدة مستقلة بذاتها، إذ لا شيء غير الورق وأرقام الصفحات يفيد بأنه استمرارية لما سبق من أجزاء الكتاب.[25]وقبل هذا وذاك، فإن راشق نفسه يعترف بأن كل المعلومات الموجودة في هذا الجزء إنما هي من سيلفيا دي دوناتو،[26] وهو أمر يكفي للقول بعدم جدوى كتابة هذا الجزء، إذ تغنينا دراسات دي دوناتو، وأن إيراده لن يكون سوى تكرار أقل قيمة من العمل الأصلي. أما إن كان ترجمة لبعض الأجزاء من أعمال الدّارسة، أو أن هذه أمدته بنص مكتوب بالفرنسية، وهو أمر وارد، فقد كان ينبغي الإشارة إلى ذلك.

فؤاد بن أحمد 

يتبع في العدد الموالي 





التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك