الرئيسية | السياسة | ما طبيعة الصراع بين الريف و المخزن؟ تساؤلات من أجل الفهم

ما طبيعة الصراع بين الريف و المخزن؟ تساؤلات من أجل الفهم

بواسطة
ما طبيعة الصراع بين الريف و المخزن؟ تساؤلات من أجل الفهم حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

محمد أشهبار/ بروكسيل

لا يمكن بكل حال من الأحوال إنكار الصراع الموجود بين الريف والمخزن،  بما هو صراع مستحكم ومعقد، فيكفي فقط إلقاء نظرة خاطفة على الأحداث التاريخية لنتأكد ونقر بوجود صراع تاريخي بين الطرفين، صراع عمر لسنوات طويلة، وما يزال مستمرا بوجه آخر، اتخذ تمظهرات على واجهات ومستويات مختلفة باختلاف الحقب التاريخية والشخصيات السياسية التي أطرت أحداث الصراع، لكن رغم إقرارنا بهذا الصراع الذي قد يكون "مفتعل" من صنع المخزن نفسه، لكننا نجهل طبيعته ودوافعه، هل هي سياسية، إجتماعية، دينية، قبلية، إثنية...ولعل عدم درايتنا بطبيعة الصراع وأهدافه أحيانا هو ما جعل هذا الصراع يدور في حلبة مليئة بالأشواك و الضبابية واللاوضوح، مما يسمح للخصم القوي ـ"المخزن"ـ الذي يملك السلطة أن يتحكم في زمام الأمور والحلبة نفسها، استعمال أدوات غير مسموح بها في مثل هذه اللعبة، لتسديد لكمات قوية في أوقات يظن فيها الطرف الآخر أنه في طريقه لحسم المعركة.

أسئلة كثيرة نطرحنا كمتتبعين، كفاعلين، ولكن كريفيين أيضا بالدرجة الأولى، حول طبيعة الصراع بين الريف والمخزن، غالبا ما نعجز عن تقديم أجوبة شافية، لفهم ما يدور حتى يتسنى لنا ايجاد حل لهذا الصراع  واللاثقة العميقة التي طفت على السطح و لم تعد خافية عن أحد، على الرغم من المحاولة العديدة لإعادة الثقة تحت ألوان وشعارات عدة أبرزها ما سمي "بالعهد الجديد" والانصاف  والمصالحة...

 هل الصراع بين الريف والمخزن، صراع على السلطة أي صراع سياسي؟ هل صراع ببعد قومي، إقليمي، هوياتي، ديني؟ هل صراع بين من يملك و من لا يملك أي صراع طبقي؟ أم أن حالة اللاثقة السائدة ـ التي اعترف بها حتى الأحزاب الأغلبية المشكلة للحكومة عندما وصفت الريفيين المحتجين بالإنفصاليين ـ سببها هاجس الخوف من الانتقام. ونحن نطرح هاته الأسئلة، كما سبق وأن قلت، ليس لأننا لا نملك أجوبة جاهزة بل من أجل إطلاق نقاش عمومي بعيدا عن ثقافة أجوبة القوالب التي تعرقل الإجتهاد، الإختلاف، وتؤدي إلى عائق ابستمولوجي للفهم السديد، وتعرقل ازدهار فضاء حرية  الرأي والرأي الأخر، فأنتج لنا ثقافة تخوين الأخر كلما تجرأ على طرح السؤال والنبش في الأحداث والوقائع بعيون نقدية، فثقافة التخوين والتخوين المضاد ـ حتي إن إفترضنا أن دافعها  كان بحسن النية ـ  يغذيها و يزكيها ويستغلها المخزن بأساليبه المختلفة لكن تلقى صداها عند الجمهور والعامة الذين تعودوا على استهلاك المعلومة بشغف وبنظارات عاطفية دون التشكيك في صحتها...هذا الأمر ليس وليد اللحظة بل إشكال بنيوي تاريخي، مما جعلنا نجهل طبيعة صراعنا مع المخزن المتحكم في كل شيئ، أو على الأقل نجهل جزء من هذا الصراع. إنه إشكال بنوي تاريخي لأن بنيتنا الفكرية تتعامل مع الوقائع و الأحداث التاريخية  بنوع من العاطفة و الحماس، مع العلم أن في السياسة لا مجال للعواطف، لكن العيب ليس فينا، بل في طبيعة النظام اللاديمقراطية، فالديمقراطية كما يقول المفكر عبد الله العروي" تحرر السياسة، تنقذها من كل ما ليس منها" و يقول أيضا أن " الدولة الديمقراطية تتكلم قليلا عن السياسة، ولكنها تمارسها كثيرا. أما عندنا فالحاصل هو العكس"، هو إعلان صريح من مفكر له وزنه، بأفول الفعل السياسي الذي يمكن أن يقودنا إلى فهم واستيعاب وتحليل الوضع السياسي، وتحليل الجذور التاريخية للصراعات.

ربما حان الوقت لنتعض من الأخطاء السياسية لقبيلتنا التي ما لا تزال تفعل فعلها في المخيال الجمعي للريفيين وغيرهم ، فالقبيلة لها مظهر مزدوج : فهي بروح معادية للتطور لكن بوجه دينامي إيجابي يسمح ببلورة روح التضامن والتآزرربما حان الوقت لنتعض من الأخطاء السياسية لقبيلتنا التي ما لا تزال تفعل فعلها في المخيال الجمعي للريفيين وغيرهم ، فالقبيلة لها مظهر مزدوج : فهي بروح معادية للتطور لكن بوجه دينامي إيجابي يسمح ببلورة روح التضامن والتآزر، علينا أن نأخذ الوجه الإيجابي الذي تَطوّر مع مجريات أحداث التاريخ، وأن ننبذ كل موانع التطور، ولنا أن نتساءل عن هذه الأخطاء التي ارتكبها الأجداد ولا تزال تجد من يتلقفها بنية إعادة بنيتها الفكرية، فهل الذين اغتيلوا وطردوا وشردوا عهد المقاومة كانوا كلهم خونة ، أم اتهموا في إطار صراعات سياسية حسمت بموازين القوى بالقوة، ولنا مثال ساطع لحالة المجاهد محمد ابن عبد الكريم الخطابي الذي لم يسلم من هذا الاتهامات فأحرقت منزله وفر هاربا إلى تطوان حتى تهدأ العاصفة. مغزى هذا الحدث، إن شئنا استخلاص الدروس، أن الخيانة مصطلح غير سياسي ولا يحلل شيئا ومن يلجأ إليه هو فقط لاسكات خصومه وغالبا ما ينتهي "مُخوّنا" من طرف أصدقائه..

أيها الريفيون اقبضوا على معادلة الصراع انطلاقا من المقولات السياسية التي تسعف على التحليل والقهم وتركيب المعنى ، وانبذوا من حساباتكم أخطاء أجدادنا واستلهموا ما هو ايجابي من هذا التاريخ الذي يصلح فقط لمعرفة كيف عاش اجيال المقاومة بدل إسقاط أجوبتهم على حاضر متغير تماما لا يمكن أن يجيب على أسئلته سوى الجيل الذي يعيش في كنف صراعاتها اليومية.

فهم الصراع و رهانه و مواجهته رهين بفهم تاريخه، تاريخ الوقائع والأحداث باطنها و ليس ظاهرها، فالتاريخ كما يعرفه ابن خلدون "ليس علم بظاهر الأحداث، بل هو علم باطني بكيفيات الوقائع"، وهذا ما نفتقد إليه للآسف، كذالك غياب كتابات في علم الإجتماع وعلم الإجتماع السياسي، حتى كتابات دافيد هارت لا ترقى لتكون من هذا الجنس بل هي كتابات سردية وصفية أنثروبولوجية. ما نجده، هي كتابات تاريخية سردية لظاهر الأحداث، كتابات تفتقد للتمحيص، تفتقد للحس النقدي، في الوقت الذي نحن بحاجة ماسة إلى كتابات ودرسات تاريخية تجعل من تلك الأحداث والوقائع موضع للتساؤل و التفلسف، إخضاع التاريخ لمنهجية و آلية التفلسف، وهو التاريخ الذي يسميه الفيلسوف الألماني هيكل بالتاريخ الفلسفي، حتى يتسنى للقارئ فهم الأمور في باطنها ليتعود على ثقافة التساؤل و الإختلاف عوض "التاريخ الجاهز" . 

إن التهم الجاهزة التي يلفقها المخزن حاليا للنشطاء، و بالأساس تهم الإنفصال والتي يحاول تكييفها مع بعض المعطيات ( مكالمات هاتفية، مراسلات...) ربما كان ورائها المخزن نفسه، أو بإيعاز منه! تؤكد بالملموس أن المخزن كان مستعدا للمعركة و هيأ نفسه للمواجهة حيث حاول و يحاول إضفاء الشرعية المفقودة على التهم الملفقة لإيهام الرأي العام الوطني و الدولي أن الخصم استعمل أدوات ممنوعة في اللعبة.





التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك