الرئيسية | رأي من زاوية أخرى | الحقيقة مختلفة ولا تصاغ بهذا الشكل: ''لا يوجد غيري فأنا وحدي أقرر الخير وأخترع الشر''

الحقيقة مختلفة ولا تصاغ بهذا الشكل: ''لا يوجد غيري فأنا وحدي أقرر الخير وأخترع الشر''

بواسطة
الحقيقة مختلفة ولا تصاغ بهذا الشكل: ''لا يوجد غيري فأنا وحدي أقرر الخير وأخترع الشر'' حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

الحقيقة مختلفة ولا تصاغ هكذا: ''لا يوجد غيري فأنا وحدي أقرر الخير وأخترع
الشر''*

كل شيء فيه يتحرك نحو النزول بما فيه فريق شباب الريف الذي كان حتى وقت قريب إحدى أوجه تألقه، دون أن يفهم أية جدارة حملته إلى تلك الالقاب ..لا شيء .. إنه البام الذي يترنح هذه الأيام على أكثر من مستوى بعد أن نزلت عليه غضبة الشعب وغضبة الملك أو قل بلغة دقيقة ليس البام هو الذي أصابه نزلة برد مصاحبة بالسعال الديكي بل جناحه الريفي الذي كان ينعت بأنه يساري الذي رفع إلى العليين ونصب عنوة على جيش الأعيان الذين جيئ بهم من كل صوب وحدب وتم خلط المعجون جيدا لانتاج مركب كميائي بمضمون عجائبي نفذ إلى قلوب مائات من الناس بل الألاف قبل أن يتقيؤوه في لحظة مكاشفة تحولت إلى وصمة عار على وجوه استبد بها الجبن وراحت تتبدل مواقعها كما تستدير نوار الشمس رأسها لتتلائم مع أشعة معبودتها: الشمس.

أتذكر مقولة صاح بها أحد أعمدة هذا الحزب بالحسيمة في أوجه الحملة الانتخابية لما قال موجها مدفعيته الثقيلة لبنكيران " سنلقن له درسا قاسيا لم ينساه " وأضاف بلغة فيها نوع من الوثوقية لا تكون لرجل السياسة بل لرجل البناء المعماري، إننا في المرتبة الأولى بلا منازع بعد أن حقنه صاحب العلبة السرية للحزب بهذه المعلومات التي تكون في متناول أصحاب الحل والعقد. ومع إعلان نتائج تلك الانتخابات التشريعية، قيل أنهم غدر بهم، فتاه بمكاءده في المشهد السياسي وواصل عناده ناسيا أن يتشبع جيدا بحكمة مأثورة لسياسيين خبروا العمل السياسي وخلصوا إلى أنه " لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة" يمكن أن تنفضك في أية لحظة فهي تتبدل مع تبدل الظروف، قد تحمل من كان يتظاهر لهذا الحزب بالحب والمودة - ولو كان للحب قانون لأصبح بهتانا- و لا غرابة أن ينقلب وجدانيا وسياسيا ونفسيا مع ظروف أخرى ولا حرج لديه في زمن ارتقاء التفاهة وقد يجد أعذارا تسوق لمن يصدق الكذب، لأن المنافق الحقيقي، هو الذي لا يدرك خداعه لأنه يكذب بصدق كما يقال.

ومع بروز ما سمي "بالحراك الريفي المبارك" الذي هز كيان الريف واستمر لعدة أشهر أصوات ألاف من المتظاهرين يجوبون الشوارع والأزقة، ترى ما الدور الذي لعبه البام في هذه المعمعة الساخطة على الأوضاع؟ بالنسبة لإلياس العماري اهتدى إلى الاعتصام بلزوم الصمت حتى يسمعه الآخرون مع الاعتراف بالأخطاء ربما قد يكون تصادف يوما مع قراءته لأحد نصوص مارك تورين الذي يقول "اعترف بأخطاءك دائما فذلك يبعد عنك الشبهات ويمنحك فرصة لارتكاب المزيد" ربما قد يكون تصادف يوما مع قراءته لأحد نصوص مارك تورين الذي يقول "اعترف بأخطاءك دائما فذلك يبعد عنك الشبهات ويمنحك فرصة لارتكاب المزيد"لكنه لم يفلح أو قل ما زال الزمن يخبئ له من المفاجئات ما يجعله في لحظة توتر دائم، ناسيا أن الاعتراف بالأخطاء في لحظة غضب قد تؤدي به إلى اتخاذ مواقف حاسمة لكن سيندم عليها طيلة حياته لأنها خاطئة.

لكن السيد إلياس يعرف جيدا أن ذراعه العقاري بالحسيمة كانت له اليد الطولى في تسخين الأحداث اعتقادا منه أن ذلك سيخدمه في استنزاف خصمه الذي كان في لحظة أزمة مع القصر ، لأن خطأ البام الحقيقي لا يكمن في الولادة القيصرية، وجل الأحزاب لها نفس النشأة بل في عجزه عن صناعة الأحداث وظل سجين مطاردة خصمه لتصيد أخطاءه، لقد فهم السياسة بشكل تقليدي بأنها حرب استنزاف للعدو بصرف النظر عن الوسائل المستخدمة في تلك الحرب، ناسيا أنه ليس اللاعب الوحيد على رقعة الشطرنج فإذا انهزمت يا أخي لا تلم نفسك لأن اللعبة لها قانون أخلاقي يسمى الروح الرياضية.

قد يكون الجناح المسمى يساري في البام قد انتهى – انتهى زمن الانتصارات الوهمية وليس الأشخاص كأشخاص- لكن المخطط الذي جيئ بالبام لم ينتهي والحرب الاستنزافية مستمرة من أجل البحث عن نخب جديدة تتولى الإدارة المخزنية في الريف بديلا عنه، إلا القوى الاسلامية فهي خط أحمر بالنسبة للمخزن، فالشروط الموضوعية التي خلقت بالريف، بطريقة لا إرادية، تجعل من المستحيل على الريفيين أن يقبلوا مرة أخرى بتنظيم على شاكلة البام أو أكثر راديكالية شيئا ما منه يمكن أن ينغرس في وجدان الناس لأن الآمال كانت كبيرة بتحقيق تحول في حجم التضحيات، لكن الأقدار تشاء دائما لمّا لا تكون هناك تنظيمات تقود حركة التاريخ الى الأمام، أن تصير التضحيات أفدح من المكتسبات، وقد لا تكون هناك مكتسبات ذات معنى من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعد أن يكون قد تم إلحاق ضررا بالغا في الانفس لا تدركها سوى تلك العائلات التي لم تعلم لحد الآن ماذا حدث و التي تكتم عن معاناتها جراء فقدان أبناءها، ليس في السجون فقط بل مائات منهم قطعوا البحر أملا في مستقبل أفضل ضمن خطة مدروسة تستهدف إفراغ الريف من شبابه ومن طاقاته المستقبلية، وهي حلول تدخل في استراتيجية لكل سم ترياق، حسب الإدراك المخزني لإدامة سلطة لم تعد لها من شرعية بعد الآن، بالشكل الذي تمارس به، سوى كونها تشكل عائقا حقيقيا لتحول المجتمع المغربي نحو الديمقراطية والتحرر الاجتماعي والسياسي.

وتسود الآن معركة حامية الوطيس يؤطرها سؤال من سيكسب نتائج حرب سلمية بدون مدفعية ثقيلة؟ الدولة وحدها حسمت الخيار باستعمال القوة لاخماد الحراك الريفي الذي لم تواكبه حراكات وطنية بنفس الحجم والقوة، وفي نفس الآن يطلق حوارات مع هؤلاء المعتقلين لأول مرة في تاريخ الاعتقال السياسي في المغرب أن تكثف الحوارات مع الضحايا وهم في موقع لا يؤهلهم لاتخاذ قرار ما نيابة عن الجماهير، والدولة تبحث عن شيئ ما في هذه الخطوة ، وهناك بالمقابل ما يشبه شرعية يبحث عنها تيار جمهوري يدعو للانفصال والقطع مع النظام وفي الوسط هناك عدة تيارات وتوجهات تتوحد على أن المطالب الاجتماعية والاقتصادية للحراك، كل هذه الأطراف لا يمكن أن تكون سوى داعمة للحراك في الريف الذي يعاني من غياب القيادة التي اعتقلت بالكامل رغم أنهم قالوا أنهم ضد الانفصال وطالبوا بالحوار مع لجنة يعينها الملك أو ما شابه ذلك بعد أن رفضوا كل الوساطات. وهناك من كان يعتقد أنه لن يعتقل أبدا وقد أعطيت له التطمينات ولما شنت الدولة حملة الاعتقالات تفاجأ الجميع وصدمت العائلات.

كان مطلوبا منذ مدة أن يطلق نقاش سياسي بالحسيمة بين عدة أطراف من أجل بحث الأزمة، لكن يبدو أن الأطراف تتهرب لطرح هذا النقاش وتريد الابقاء على مساحة الغموض الشديد على مشهد كل شيء فيه واضح إلا في الفايسبوك، بعد أن بدا واضحا أن لا أحد يحمل مفاتيح الحل سواء بتسخين الصراع أو البحث عن التسويات ، والنتيجة في نظري تشبه ما قاله أفلاطون " عقوبة الاذكياء الذين يرفضون الانخراط في العمل السياسي أن يحكموا بواسطة الاغبياء". وإلا فمن أعطى الشرعية لكائنات رجعية ووصولية برزت جيدا على المسرح الاعلامي لتلعب في عمق حراك الريف بعد أن كانت سلعتها الملوثة قد أصابها الكساد و لا تجد من يلتفت إليها، لا شيء يشرّف الريف أن يعاد سيناريو المساومات التي أعقبت أحداث 58 و 59 والتي أفضت إلى تأبيد الانتقام في حق الريف بالموازاة مع بروز كيانات سياسية للتغطية على هذا الهجوم الذي لا زال يشتغل في المخيال الجماعي للريفيين ولا يريد أن ينتهي، إن التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي المرة الثانية كمهزلة كما قال كارك ماركس، فعلينا أن نحذر من الشيطنة في تصريف الأحداث وإلا كنا جميعا ضحايا لهذه الألعوبة ولعل أعظم خدعة نسجها الشيطان هي إقناع العالم بأن ليس له وجود !

أبو علي


*  عبارة الفيلسوف الوجودي جو بول سارتر





التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك