الرئيسية | السياسة | واقع وأفق اليسار المتعدد: التداخلات السياسية لواقع مركب

واقع وأفق اليسار المتعدد: التداخلات السياسية لواقع مركب

بواسطة
واقع وأفق اليسار المتعدد: التداخلات السياسية لواقع مركب حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

يمكن القول بدون مجازفة أن نعتبر المرحلة التاريخية التي تمر منها بلادنا حاسمة ودقيقة جدا، لأنها ستشكل منعطفا في تاريخ الصراع السياسي الجاري، ومن بين المؤشرات الدالة على هذا المنحى هو التفاعلات المتسارعة التي يعيشها المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وإحدى تجلياته البارزة هو الصراعات التي تعتمل داخل الأحزاب السياسية عامة والحركة الديمقراطية بوجه خاص، دون إغفال التفاعلات التي تخترق الدولة وأجهزتها بين الاتجاه التحديثي والاتجاه التقليدي المحافظ، رغم الضبابية التي تتسم بها هذه التفاعلات، فضلا عن حركية المجتمع المدني.

أمام هذه الوقائع؛ فإنه لا يمكن أن نخفي نوعا من الانفصام الذي يميز سلوك الفاعلين السياسيين، مما يعوق إمكانية امتلاك الأدوات المعرفية والسياسية والعملية للتعاطي مع هذه الوضعية في أفق التغيير الديمقراطي.

لنتكلم بكل وضوح وصراحة، فإذا كانت النضالات الاجتماعية التي اتسمت بها السنوات الأخيرة قد خلقت توازنات جديدة في البنية الاجتماعية، وحررت طاقات نضالية جديدة، فإنها أبانت في نفس الوقت عن مجموعة من العوائق في صفوف مكونات الحركة الديمقراطية.

لذا؛ فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هو ألا يمكننا أن نوسع موضوع وأشكال السياسة كما عرفناها في السابق، وأساسا لأن سيرورة تحرر الطاقات واتخاذ الصراع على الصعيد المحلي والعالمي أشكالا مغايرة للحقب السابقة. يفرض على المنظمات السياسية الديمقراطية أن توحد تجاربها وتقاليدها النضالية المعقدة والمتنوعة، لأنه إذا لم تنجح في امتلاك هذا الأفق النضالي في شموليته، سيصبح من الصعب أن تواكب هذه التحولات وتطور القوى المنتجة داخلها، لكي تتمكن من الحل الإيجابي لتناقضات المصالح وتراتبية الوظائف والاختصاصات، والتغلب على المقاومات العشائرية/التكتلية والإشكالات المحلية، الجهوية والوطنية في علاقتها الجدلية مع الواقع الدولي، وسيروراته المتناقضة.

كل هذه القضايا تضع موضع تساؤل شكل وجود القوى السياسية التقدمية اليوم، لكنها تحدد في نفس الوقت الاتجاه الذي ستتطور فيه بشكل إيجابي، لهذا؛ فإن التجديد الذي يجب إدخاله في هذه السيرورة هو الفعل السياسي الذي يرتكز على البرمجة في مستواها الجماهيري، وليس المنطق التنظيمي الحزبي النخبوي المغلق.

إنه واضح جدا أن دياليكتيك العلاقة بين "عفوية" الجماهير، المواطنين، المجتمع المدني، والوعي المتراكم على مستوى المنظمات الجماهيرية والسياسية يتطلب التطوير كي يصبح واسعا ومنتشرا،إنه واضح جدا أن دياليكتيك العلاقة بين "عفوية" الجماهير، المواطنين، المجتمع المدني، والوعي المتراكم على مستوى المنظمات الجماهيرية والسياسية يتطلب التطوير كي يصبح واسعا ومنتشرا وهذا يتماشى مع اتخاذ السياسة طابعا اجتماعيا كشكل فعلي لتصبح الديمقراطية ملموسة، وكذلك كطريقة ملموسة لتطوير ممارسات عقلانية قادرة على الوقوف في وجه الاختلالات المتعددة ببلادنا والانفجارات التي قد تفتح الطريق نحو أشكال جديدة من الاستبداد والكليانية.

من هذا المنطلق يتضح أن دور ومستقبل الأحزاب السياسية الديمقراطية يتحقق اليوم من خلال قدرتها على التعبير عن برامج تركيبية مستمدة من طموحات الجماهير، وقادرة على تحسين وحدتها النضالية، ليس على مستوى القيادات السياسية أو "الطليعة" المتنورة للفئات والطبقات الشعبية، بل على مستوى الجماهير الفاعلة، لهذا فإن الخطر الذي يهدد مستقبل الأحزاب الديمقراطية في وضعها الراهن هو تحولها إلى علائق من الولاءات، وعلاقات زوينة تلعب فيها الأحزاب دور الوسيط مع السلطة،  وكل من يدفع في هذا الاتجاه يهدد مستقبل الديمقراطية التي نناضل من أجلها، ومن تم فإنها ستصبح على كل حال عاجزة عن الجواب على التناقضات التي تتولد باستمرار في الفضاء الاجتماعي.

مما لاشك فيه أن المغرب عرف عدة محطات حاسمة في مسار الصراع الطبقي والاجتماعي مند الاستقلال نهاية الخمسينات مرورا باتفاضة 1965 وآخرا وليس أخيرا حركة 20 فبراير، ودون الرجوع إلى المواقف المتناقضة في صفوف القوى الديمقراطية والتقدمية إزاء هذه المحطات، فإن ما يميز سلوكها هو ردود الفعل اتجاه مبادرات السلطة المخزنية وغياب رؤية استراتيجية واضحة يتم من خلالها اشتقاق كيفية التعاطي مع القضايا الآنية والمستقبلية. مما يجعل الصراع داخل هذه الأحزاب حبيس المخلفات السلبية للمعارك السياسية المحكومة بمبادرات السلطة، والمنعزل عن الحركة الجماهيرية

إن السمة البارزة والدالة في عملية المخاض هذه والتي أفضت إلى انشقاقات؛ هو غياب الشفافية في الصراع وانعدام إشراك  الجماهير ذات المصلحة في التغيير في صنع القرار، مما يجعل هذه الصراعات تدور في دوائر  مغلقة وهي أقرب إلى حرب المواقع داخل هذه التنظيمات، في ظل غياب نقاش مفتوح حول القضايا النظرية السياسية البرنامجية والتنظيمية والذي يؤسس لكل فعل سياسي منتج.

إذن؛ بغياب هذا البعد الجماهيري وبانعدام الشفافية، فإن الخطر الذي يهدد الصيرورة النضالية للحركة الديمقراطية يبقى هو احتمال إعادة إنتاج مسلسل الانشقاقات وعملية وعملية الانشطار والتشرذم  الذي عرفته المراحل السابقة. وفي هذا الصدد فالسمة البارزة المحددة لهذه الانشقاقات هو وقوعها كلما اقترحت السلطة على المعارضة الوطنية الديمقراطية المشاركة في الحكومة ومن أبرز تجلياتها، انشقاق حزب الاستقلال في 1959، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 72 وما عرفه الاتحاد الاشتراكي في 83 ونتائجه التي أفضت إلى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي وانشقاق الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب التقدم والاشتراكية وبروز جبهة القوى الديمقراطية في 96، كما أن بعض الانشطارات قد وقعت في صفوف تنظيمات اليسار الجديد (23 مارس إلى الأمام) لمجرد الاختلاف أو الخلاف حول تقدير أو مقاربة متغيرات الظرفيات السياسية، صحيح أن الانشقاق في بعض الأحيان يكون مبررا عندما يعبر عن حاجة موضوعية تاريخية، استنادا  إلى منطلقات فكرية سياسية برنامجية ذات بعد تاريخي مستقبلي، لكن استقراء هذه الظاهرة في المغرب يجب ان تأخد بعين الاعتبار طبيعة الحقل السياسي في المغرب وآليات اشتغاله، والفقر الفكري/ النظري لذى غالبية الفاعلين السياسيين وتجليات العملية السلبية.

انطلاقا من هذه الاعتبارات فإن الضرورة التاريخية تحتم علينا محاصرة هذه المخاطر (الانشطار والتشرذم) والعمل في اتجاه إعادة هيكلة الحركة الوطنية الديمقراطية على كافة المستويات للرقي إلى مستوى متطلبات المرحلة، فإذا كانت طريقة اشتغال الحقل السياسي المغربي  ضمن نسق تقليدي، ينعدم فيه مبدأ تداول السلطة على أسس الشرعية الديمقراطية يساهم في ما تعرفه الأحزاب من تصدعات (تدخل السلطة في شؤونها الداخلية)، فإن بنية هذه الأحزاب، كيفية تشكلها، مساراتها التاريخية واختياراتها، تشكل المداخل الفعلية لكل نقاش جدي وعلني لتجاوز معيقاتها وتجددها.

في ضوء هذه المؤشرات المتميزة بالتداخلات السياسية لواقع مركب يمكن مقاربة واقع اليسار في المغربـ، بشكل يأخذ بعين الاعتبار في آن واحد العوامل الظرفية والمعطيات البنيوية والتاريخية وتمفصلاتها، لأن من شأن ذلك أن يحدد آفاق تطوره للقيام بدوره في توفير شروط الانتقال إلى الديمقراطية وتسريع وثيرته.

اليسار في المغرب: فضاء من أجل إعادة التأسيس

إن العديد من التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفها العالم في السنوات الأخيرة تطرح جملة من التساؤلات، تستدعي الارتقاء بالفكر النقدي إلى مستوى الإحاطة الشاملة بها، وخاصة أن التفسيرات الكلاسيكية والمعتادة لم تعد تصمد أمام الوقائع العنيدة.

وفي هذا الصدد؛ فإن الأوضاع التي يواجهها اليسار، أوضاع مغايرة بشكل كلي للحقب السابقة التي كانت تتميز بالمد المتصاعد لحركات التحرر الوطني في آسيا وأمريكا ألاتينية وإفريقيا، وانهيار آخر أشكال السيطرة الاستعمارية القديمة.

ولهذا فلا يجب أن تغيب عن وعينا ضرورة الرجوع إلى التحولات التي عرفتها سيرورة الإنتاج التي تميزت بتوسع السوق العالمية التي أصبحت تنحو نحو عولمة النظام الرأسمالي وسياسة ليبرالية التبادل، وهذا ما جعل أدوات المعرفة، وأساليب النضال التي لعبت دورا هاما في السابق تجد نفسها اليوم في وضعية أزمة، سواء تعلق الأمر بالأحزاب أو النقابات أو مجموع الحركات الجماهيرية، ولهذا يمكننا أن نرى بشكل واضح للعيان المضاعفات التي تحملها كل هذه التحولات على توجهات وممارسات فعاليات اليسار سواء في إطاراتها السياسية أو في ارتباط مع المنظمات الجماهيرية.

فعلى مستوى اليسار الجديد كمكون من مكونات اليسار، ليس جديدا القول أنه ناضل بالرغم من أخطائه في ظل ظروف استثنائية وبالغة التعقيد لإخراج الحركة الجماهيرية من سياسة الجمود والانتظار التي كانت تعرفها الساحة السياسية من جراء حالة الاستثناء، وقاوم عمليات الاجتثات والتصفية السياسية التي مارسها النظام اتجاهه، لكن يجب الإقرار كذلك أن اندماج اليسار الجديد في هذا النضال، الجماهيري لم يمكنه أن يعرف في حينه التحولات الجارية إن على صعيد المجتمع أو على صعيد البنية السياسية، ولانعدام هذه المعرفة العلمية وعدم تلازم رؤاه السياسية مع هذه التحولات جعله يتلقى ضربات أضعفته، وأخلت بعلاقاته مع واقع بلادنا ومع الجماهير الشعبية الواسعة، مما انعكس سلبا على على العلاقات الداخلية لتنظيماته وما بين هذهذه التنظيمات فيما بينها ومن تم التشرذم وإعادة إنتاج التشرذم.

لن يتسع المجال هنا لاستعادة مجموع السجالات التي عرفها اليسار الجديد، ولا الشعارات التي كانت تطرحها تنظيماته، لتبيان مدى البون الشاسع بين تلك الشعارات والواقع العيني، لقد أصبح الكل الآن ينتقد تلك الحقبة. لكن هذا لا يعني أن التصورات السابقة والشعارات التي واكبتها، لا تتخذ اليوم صيغا جديدة ويمكن معاينة أن بعض الصياغات الكتابية ما زالت سجينة هذه الأخطاء، وهذا ما يجعل ممارساتها متأخرة وديلية للأحداث والظرفيات السياسية.

إن هذه التصورات التبسيطية غير قادرة على مقاربة التطور المميز لتاريخ بلادنا، وليس أدل على ذلك كون هذه التصورات ليست إلا إسقاطات إن لم نقل استنساخ نماذج بلدان أخرى على أوضاع مغايرة، مما يجعل المعارك النضالية لا تأخذ بعين الاعتبار تشكل الدولة تاريخيا، وما لعبه الاستعمار في علمية التشكل هاته، والتعامل مع الدولة كجهاز قمعي طبقي ليس إلا، واستطراد غياب التعيين الدقيق لعملية الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي، كما لا تؤخذ بعين الاعتبار الهوامش الخاصة لمناورات السلطة المخزنية وديناميكيتها الخاصة التي جعلتها تحتل موقعا مهيمنا ومسيطرا في الاقتصاد.

إن التعرض لهذه الحقيقة يستمد أهميته من كون أغلب السجلات  اتسمت بالتضخم الإيديولوجي، والتعاطي مع الظرفيات السياسية لا يرتكز على الوعي التاريخي والمحددات البنيوية التي تتحكم في المسارات، ولابد من الإشارة أن اليسار الجديد قد شهد نقاشات خصبة مند النصف الثاني من السبعينات كان بإمكانها أن تشكل بوادر نهوض لولا  توقفها بفعل غياب ثقافة ديمقراطية الاختلاف  قمينة بدفع النقاش إلى نهايته القصوى، وحتى لا تتكرر نفس الأخطاء السابقة - إقبار النقاش - فإن الأمر لا يتعلق فقط بجرد حساب للأخطاء السابقة بالقيام بنوع من الاعتراف ألكنائسي، بل القيام بنقد ذاتي صارم وجذري، يطال الأسباب الحقيقية، ومن جانب آخر فإن أي نقد للآخر لا يستقيم بدون نقد ذاتي على قاعدة الصراحة والوضوح تستند للمكاشفة العلنية وبدون مواربات.

واقع اليسار سيرورة متجددة وتنوع التجارب

لم يكن الحديث عن تجربة اليسار الجديد اعتباطيا، لأنه بخلاف بعض الكتابات التي تصنفه كيسار متطرف، وهذا ما لا ينطبق عليه، إذ كان له الفضل في ترسيخ قيم اليسار وابتداع أشكال نضالية جديدة اتسعت دائرتها  لتشمل باقي القوى الديمقراطية، كما أن العامل الأيديولوجي الذي أعطاه أهيمته في فترة كانت تتسم باللحظة الإيديولوجية على الصعيد العالمي، قد كان لها بالغ الأثر في النقاشات الداخلية لبعض التشكيلات السياسية، و لا ادل على ذلك من أن المؤتمر الاستثنائي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975 قد تميز بوثيقة التقرير الأيديولوجي والكلمة التقديمية للشهيد عمر بنجلون، التي كانت في بعض مضامينها سجالية اتجاه أطروحات اليسار الجديد، نفس الشيء كان عليه الأمر في المقالات التفسيرية على أعمدة جديدة المحرر بعد المؤتمر  الاستثنائي، ولم يكن حزب التحرر والاشتراكية بمعزل عن هذا المناخ السجالي.

نستخلص مما سبق أن اليسار الجديد ليس إلا حلقة من حلقات تطور اليسار في المغرب الذي يضرب بجذوره في عشرينات هذا القرن انطلاقا من الدور الذي لعبه الشيوعيون ولاحقا الحزب الشيوعي المغربي في تنظيم الطبقة العاملة الناشئة والعمال الزراعيين ومساهمته في نشر المثل الاشتراكية في صفوفهم وفي أوساط الشباب، وقد شكل ذلك إضافة نوعية في الأشكال النضالية للحركة الوطنية ضد الاستعمار.

في ظل هذه السيرورة وفي إطار تفاعلاتها شكل انفصال الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن حزب الاستقلال تحولا في سيرورة اليسار، لكن الذي يمكن تسجيله بهذا الصدد هو تشكله على أساس تجميع قطاعات وحركات تفتقد لرؤية واضحة وشاملة، وكانت محكومة ومتأثرة بمناخ تلك المرحلة المتسم بالنماذج الناصرية والبعثية ومنظوراتها الانقلابية، وهذا ما عبرت عنه وثيقة الاختيار الثوري للشهيد المهدي بن بركة في شكل أسئلة تحتاج على جواب حول الهوية الإيديولوجية وتحديد الأهداف والأساليب التنظيمية والعملية لبلوغها.

لا يمكن إغفال أن اليسار في المغرب ليس معزولا عن الصراعات التي عاشتها الحركة الاشتراكية والشيوعية، إلا أن ما يجب الإقرار به هو ميزة استقلاليته وتعاطيه النقدي مع إشكالات هذه الحركة الأممية، وإذا قال التاريخ كلمته في ما يخص بعض القضايا الخلافية، فإن الوضعية الحالية تتميز بانهيار الجدران الوهمية التي كانت تفصل بين المناضلين ومن تم أصبح من الضروري والواجب في هذه المرحلة التي تستدعي إعادة تأسيس اليسار الجواب على الأسئلة الملازمة لهذه العملية من بينهما:

- ألا يمكن اعتبار أن الخلفيات الإيديولوجية والسياسية للحركة الوطنية قد وصلت إلى نهايتها، ولم تعد قوة دافعة وملهمة؟

- السؤال السابق يحيلنا إلى التساؤل حول طبيعة ومستوى المعيقات التاريخية، الإيديولوجية والسياسية التي نلاحظها في البنيات التنظيمية لليسار في المغرب، هذه الملاحظة تطرح علينا بلورة إستراتيجية متبادلة للتجديد وإعادة التأسيس، بتعيين العلاقة الديناميكية بين "القديم والجديد" والمداخل الأساسية لهذه السيرورة.

- ماهي المقاربات والتحليلات الجديدة التي سيواجه بها اليسار واقع القرن الواحد والعشرون

إن توسيع دائرة العلاقات البينية والأعمال المشتركة هو الذي سيعطي لهذا التنوع حيويته ومنه تتبلور القوة القادرة على إعادة التأسيس الضروري.

في أفق اليسار المتعدد.

يواجه اليسار مرحلة تاريخية جديدة، تتميز بانهيار أنظمة المعسكر الشرقي وبالاستتباع انهيار إيديولوجيتها الماركسية اللينينية كتعاليم ستالينية، ومن خلال ذلك تجاوز منظورها للتغيير الاجتماعي السلطوي، وتتميز هذه المرحلة بالثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي توضح عجز المنظورات السوسيال – ديمقراطية عن لجم همجية وكوارث الرأسمالية من جهة، وأن التغيير الثوري لم يعد مرادفا للطفرات الانقلابية بقدر ما يتم انجازه انطلاقا من الاختيار الديمقراطي في أبعداه الشاملة.

من هذه الزاوية فإن مصير البشرية يبقى أكثر من أي وقت مضى هو التغيير الاجتماعي نحو مجتمع متحرر من الاستغلال والاضطهاد ولذلك فالمشروع الاشتراكي ما زال يكتسب راهنيته التاريخية، ويتحقق من خلال الاختيار الديمقراطي، وهذا يتناقض جذريا مع الأطروحات الإيديولوجية التي تعتبر النظام الرأسمالي كنهاية للتاريخ.

لهذا سيكون من الخطأ اختزال اليسار في المجموعات الراديكالية، لأن الأمر لن يكون في أحسن الأحوال سوى تجميعا للمناضلين الراديكاليين بمعزل من مسار الحركات الاجتماعية التي تناضل من أجل الديمقراطية وضد الرأسمالية. كما أن التصنيفات الإيديولوجية: التروتسكية، الماوية، اللينينية ...  لم يعد لها معنى في واقع الصراع الطبقي في عالم القرن الواحد والعشرون، بل تعتبر مساهمات للشيوعيين الرواد، وتراكما معرفيا جمعيا نستخلص منه الجوانب النظرية والإيجابية والصحيحة مع التعامل معه في نسبيته.

من خلال هذا الفضاء الواسع يكتسب اليسار أفقه المتعدد الذي يقر بالاختلاف والتنوع على أسس مبادئه وقيمه.

محمد الوافي 

القنيطرة في 5 نوفمبر 2016 

مساهمة في الجامعة السياسية لمناضلات ومناضلي اليسار التعددي 





التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك