الرئيسية | السياسة | قراءة في سياق حراك الريف وأخطائه المحتملة

قراءة في سياق حراك الريف وأخطائه المحتملة

بواسطة
قراءة في سياق حراك الريف وأخطائه المحتملة حجم الخط: Decrease font Enlarge font
0


    حوار الريف

أوَّلا : السيّاق الدولي ساهم في إطلاق يد الدولة على الريف

ساهم عودة روسيا القوي إلى معترك السياسة الدوليّة إلى بروز التنافس القديم/الجديد بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكيّة على مناطق النفوذ والسيطرة في العالم، الشئ الذي انعكس بالضرورة على معايير القبول ضمن الشرعيّة الدوليّة وأدى إلى عودة  البراغماتيّة المتغولة إلى تسيير العلاقات الدوليّة على حساب معايير احترام حقوق الإنسان كما كان الشأن نسبيّا منذ أفول الإتحاد السوفياتي، هذا الذي صب في صالح الديكتاتوريّات والدول البوليسيّة، التي باتت تعلم علم اليقين أن المؤسسات الدوليّة معطلة أمام قوة المصالح الدولتيّة الثنائيّة والجيوستراتيجيّة، خاصة إن تعلق الأمر بالدول العظمى الدائمة العضويّة في مجلس الأمن. هذا إضافة إلى بروز مشاكل الهجرة والإرهاب المتعلُّقة بنتائج ومآلات ثورات ما يسمّى ب"الربيع العربي" وانعكاساتها على دوّل القارة الأوربيّة ،خصوصا إن إخذنا موقع المغرب وشماله القريب جدا من الضفّة الأخرى والمطل على أحد أهم مضايق العالم.

ثانيّا: السيّاق المغربي الذي جاء فيه الحراك الشعبي.

انبثقت الإحتجاجات بمنطقة الريف أو ما سمّى لاحقا بحراك الريف في خِضم بلوكاج حكومي مفتعل، والأهم من ذلك في سيّاق عمليّة متواصلة لتبخيس دور الأحزاب السيّاسية والتهامها في إطار مشروع حزب الدولة، إضافة إلى محاولات الحكم التنصُّل من التوافق القديم بينه وبين ما يسمى بالحركة الوطنيّة والممثلة الأن في حزب الإستقلال الذي بات يتعرض لعمليّة ممنهجة لإضعافه ومحو هويته، والسبب هو رصيده التاريخي، فالعهد الجديد أراد أن يقول أن لا شرعيّة تاريخيّة يجب أن تنافسني أو تتعايش معي، كل شئ يجب أن يكون مصطنعا في مختبر السلطة وعلى المقاس،فالعهد الجديد أراد أن يقول أن لا شرعيّة تاريخيّة يجب أن تنافسني أو تتعايش معي، كل شئ يجب أن يكون مصطنعا في مختبر السلطة وعلى المقاس الأحزاب والنخب يجب أن تستمد قوتها وتأثيرها من المخزن لا من التاريخ، من الريع والسخاء السلطاني لا من القُوات الشعبيّة، من الأجهزة الأمنيّة لا من الإيديولوجيا. هذا فمهما تكثّفت لغة التطمينات والتأكيد على مسار الإنتقال الديموقراطي إلاّ أن الوقائع على الأرض تسيَّر عكس كل شئ، فلا يمكن تحقيق الديموقراطيّة دون أحزاب مستقلّة ودون حماية فضاء حر تنتعش فيه النخب والشبيبة المسيّسة ضمن الحد الكافي من الحريّات الجماعيّة.

ثالثا : بعض أهم أخطاء الحراك الشعبي .

من بين أولى أخطاء الحراك الشعبي بالريف هو مسايرته العفويّة الغير المتعمّدة للسيّاق المغربي العام الذي أوردناه سالفا، إذ لم تخلوا مداخلات قيّادته من الهجوم وتسفيه الأحزاب السيّاسية وتجاوز جميع المؤسسات ومخاطبة المؤسسة الملكيّة مباشرة، هذا ليس دفاع عن المؤسسات أو الأحزاب السيّاسية وإنما تبيان لخط الإلتقاء بين الحراك الشعبي ونهج السلطة الجديد، ومخاطبة الملكيّة مباشرة ليس توريطها بقدرما هو تعزيز دورها واسترجاع لطريقة تصرفها التقليدي وهو الحكم العتيق الذي لا يحتاج إلى مؤسسات، نذكر هذا لأن رغم أن مطالب الحراك شعبيّة اجتماعيّة إلاّ أن للحراك أيضا خطاب سيّاسي ، وهو خطاب قوي من ناحيّة استخدامه لرموز تاريخيّة للمنطقة، هو قوي بالتاريخ ،لأن أي حدث بالريف غالبا ما ينكئ جروح ماضيّة ويطرح سؤال لا زال معلَّقا في الشرعيّة السيّاسيّة للدولة المغربيّة، هذا ورغم ذلك ففي نفس الوقت يعتبر الخطاب السيّاسي للحراك ضعيفا ..لأنه لا يدعوا لأي بديل ولا يبحث عن أسباب المشاكل الإجتماعيّة بعيدا عن التقدير العامِّي لها من فساد المسؤولين وضعف الإدارة، هو لم يكن يتوافق مع أي أطروحة ديموقراطيّة أو ثوريّة تغييريّة، وبالتالي تكون قيّادته قد أستغرقت في الخطاب السيّاسي دون فعل سيّاسي ، ورغم أن ذلك كان ضروريّا في مراحل التعبئة الأولى فإنه لا قيمة لذلك في المراحل التاليّة. هذا بالإضافة إلى حسن النيّة وعدم توقع الأسوأ وما يقتضيه هذا من استعداد على مختلف الأصعدة وأولها بناء تنظيمي حقيقي في عموم المناطق المهمَّشة في الريف. إذا كانت قيّادة الحراك قد حاولت جاهدة الفصل بين "السيّاسي" و"النقابي" فإن الدولة المغربيّة لا تفصل بينهما، وخير دليل المحاكمات السيّاسيّة لأزيد من 200 ناشط، وبالتّالي فالتكلفة التي حاولت قيّادة الحراك تفاديها هي نفسها من يدفع ثمنها شباب الريف، هذا دون أي يتم ذلك في صالح إثراء تجربة ريفيّة أو وطنيّة لها علاقة بالنضال التاريخي لأجدادنا من أجل التوزيع العادل للثروة والسلطة بالمغرب.

رابعا: بعض أهم ما حققه الحراك الشعبي .

أهم ما حققه الحراك الشعبي وخاصّة مرحلته الثانيّة التي أعقبت اعتقال قيادته هو نقله الجماهير الشعبيّة بالريف من وعيها الحسي بمعاناتها إلى وعي سيّاسي مجتمعي وتاريخي وساهمت الحملة القمعيّة على الريف إلى دفع الجماهير الشعبيّة العاديّة إلى اكتشاف هويتها وعدوها، وأيضا كان للحراك الشعبي أيضا الدور المهم في تعطيل مراكز السلطة التقليديّة في المجتمع من أعيان ونخب حزبيّة وإقطاعيين صغار متحالفين مع السلطة المركزيّة، هذا ما جعل من بين عدد من الأسباب الدولة تعجز على احتواء الحراك الشعبي طيلة تسعة أشهر، لأنه فعلا انبثق من وجدان الشعب وقادته شباب خرجوا من الهامش دون أي موقع قديم ، كما استطاع صمود الحراك هذا ما جعل الدولة أمام خيارين فقط إمّا إطلاق الحوار مع النشطاء أو نهج  المقاربة القمعيّة ، لتختار الدولة النهج الثاني وهو الأكثر تكلفة عليها، وقد ضربت من تلقاء نفسها في صميم ما حاولت بنائه من شعارات مع الريف طيلة العشرين سنة الماضيّة ، وأيضا بالمغرب ككل، فقد اتضح أنه لا نيّة للدولة في أي إصلاح سيّاسي ، هذا من ناحيَّة، ومن ناحيّة أخرى، الدولة لا تدري أنها كلما تغالت في نهجها القمعي تصلّب بذلك نقيضها وتُوجِد له البيئة الكافيّة للإشتغال وقبل كل شئ تكتسِبُه الشرعيّة السيّاسية والأخلاقيّة على حسابها ، بهذا تعيد من حيث لا تدري توجيه التاريخ في الإتجاه الذي ارتضاه نقيضها ، أي مسار حركة التحرر المغربي، التجربة الغنيّة بين تجارب دول شمال أفريقيا في كفاحها من أجل دول ديموقراطيّة مستقلة قائمة على تعاقد سيّاسي سليم يأخذ بعين الإعتتار مسألة التعدد الثقافي واللغوي بين شعوبها. 

عمر سعلي





التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك